وطن-بينما تحاول بغداد تقديم العراق بوصفه دولة تتجه نحو الاستثمار وتنويع الاقتصاد وتعزيز مؤسسات الدولة، تواجه بيروت تحديات أكثر ارتباطاً بالأمن والسيادة وإعادة الإعمار، في ظل استمرار التوترات على حدودها الجنوبية. وعكست مشاركة رئيسي الوزراء العراقي علي الزيدي واللبناني نواف سلام في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك اختلاف الأولويات بين البلدين، رغم اشتراكهما في التركيز على الإصلاح وتقوية مؤسسات الدولة. وكان الزيدي يقود الوفد العراقي إلى اجتماعات الجمعية العامة، حيث تناولت أجندته الملفات الاقتصادية والأمنية والعلاقات الخارجية، إلى جانب عقد لقاءات مع مسؤولين دوليين. بغداد تراهن على الاستثمار والإصلاح منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو/أيار 2026، وضع علي الزيدي الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد وتنويع الاقتصاد ضمن أبرز أولويات حكومته. وقد أكد المنهاج الوزاري الذي نالت حكومته الثقة على مسارات تشمل الإصلاح والبناء الاقتصادي، وتطوير النظام المالي والمصرفي، وتعزيز الاستثمار، إلى جانب إصلاح المنظومة الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة. وفي تحركاته الدولية، يسعى الزيدي إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية للعراق وجذب الاستثمارات والشركات الأجنبية، بالتوازي مع تطوير قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والتكنولوجيا. وتأتي هذه السياسة في وقت يحاول فيه العراق تقليل اعتماده على النفط وتوسيع مصادر دخله، والاستفادة من موقعه الجغرافي لربط الأسواق الإقليمية وتعزيز حركة التجارة والطاقة. وكان الزيدي قد أعلن خلال زيارته إلى واشنطن في يوليو/تموز أن الشركات الأمريكية ستدخل إلى السوق العراقية، كما تحدث عن شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وعن خطط لتطوير قطاع النفط والطاقة. حصر السلاح وتعزيز سلطة الدولة ولا يقتصر مسار الإصلاح الذي تتحدث عنه الحكومة العراقية على الاقتصاد، إذ يحتل ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة موقعاً أساسياً في أجندة بغداد. ويواجه الزيدي ضغوطاً مرتبطة بملف الفصائل المسلحة، في وقت تستعد فيه القوات الأمريكية المتبقية في العراق لإنهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر/أيلول. وقد ربطت الحكومة العراقية بين المرحلة المقبلة وبين تعزيز قدرة مؤسسات الدولة الأمنية على تولي مسؤولياتها. وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، التقى الزيدي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في وقت تتابع فيه واشنطن عن كثب مسألة إخضاع الفصائل المسلحة لسلطة الدولة. كما التقى رئيس الوزراء العراقي عدداً من المسؤولين وقادة الدول، في إطار مساعٍ لتعزيز العلاقات الدولية والشراكات الاقتصادية للعراق خلال المرحلة المقبلة. لبنان يربط الإصلاح باستعادة السيادة أما في بيروت، فتبدو الأولويات أكثر ارتباطاً بالوضع الأمني والسياسي في الجنوب. ويطرح نواف سلام، الذي وصل إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، رؤية تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة وتوسيع سلطتها، بالتوازي مع معالجة تداعيات الحرب ودعم إعادة الإعمار. وقد أجرى خلال وجوده في نيويورك سلسلة من اللقاءات الدولية التي تناولت مستقبل الوضع في جنوب لبنان ودور الأمم المتحدة بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. وفي هذا السياق، دعا سلام إلى صيغة دولية تضمن استمرار آليات المراقبة والإبلاغ والتنسيق في جنوب لبنان، محذراً من ترك المنطقة أمام فراغ أمني بعد انتهاء مهمة القوة الأممية. كما أكد التزام حكومته بالإصلاح وتقوية مؤسسات الدولة وحصر قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة. وقف التصعيد والانسحاب الإسرائيلي ويأتي ذلك في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وهو ما جعل مسألة الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت وقف إطلاق النار من أبرز الملفات التي تتحرك بشأنها الحكومة اللبنانية دولياً. وكانت اتصالات لبنانية ودولية حديثة قد شددت على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701، إلى جانب دعم انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة في مختلف المناطق. كما تسعى بيروت إلى الحصول على دعم دولي لإعادة إعمار المناطق المتضررة وعودة السكان، وهو ما ظهر أيضاً في الاجتماع رفيع المستوى الذي ترأسه سلام في نيويورك تحت عنوان «تجاوز الأزمة»، بمشاركة الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وخلال الاجتماع، دعا سلام الشركاء الدوليين إلى الانتقال من الاستجابة للاحتياجات الطارئة إلى دعم العودة والتعافي وإعادة الإعمار، بما يسمح لسكان الجنوب بالعودة إلى مناطقهم وتعزيز حضور مؤسسات الدولة فيها. رؤيتان للإصلاح في بلدين مثقلين بالأزمات وبينما تحاول بغداد استثمار موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وجذب الشركات والاستثمارات، تواجه بيروت مهمة مزدوج