تشير إعادة الانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى تغيير في طبيعة المهمة العسكرية أكثر مما تعكس تراجعاً في الحضور الميداني، مع اتجاه جيش الاحتلال إلى سحب جزء من وحداته الهجومية والنخبوية، ولا سيما الكوماندوز والمظليين وغولاني، واستبدالها بقوات تتولى تثبيت المواقع والإمساك بالخطوط الأمامية. وبحسب المعطيات العسكرية، فإن هذا التحول يعكس انتقالاً من الاعتماد على القوات المعدّة للهجمات البرية الواسعة إلى تكتيك يقوم على تثبيت خطوط الانتشار وتعزيز المواقع العسكرية، من دون أن يعني ذلك توقف الاعتداءات الإسرائيلية أو انسحاب الاحتلال من الجنوب. فإسرائيل تواصل، بالتوازي مع إعادة توزيع قواتها، عمليات التفجير والهدم والأعمال الهندسية والغارات والتحركات العسكرية أمام ما تسميه «الخط الأصفر» وفي مناطق أخرى. وبذلك تتحول طبيعة القوة المنتشرة على الأرض من قوة هجومية واسعة إلى قوة احتلال وإمساك، تستند إلى المواقع العسكرية والمراقبة الجوية والسيطرة بالنار. ويبدو أن إعادة الانتشار الحالية ترتبط بمحاولة تثبيت الجبهة وإراحة الوحدات الهجومية، لا بالضرورة بقرار شن هجوم بري واسع في المرحلة الحالية. وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه التحركات عن المسار السياسي والعسكري الأشمل، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والتمسك بمواقع متقدمة داخل الأراضي اللبنانية. تقليص عديد القوات لا يعني الانسحاب وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تقليص عدد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان لا يعني تراجعاً في الانتشار أو التخلي عن السيطرة الميدانية، بل قد يكون جزءاً من إعادة تنظيم الاحتلال لوجوده بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة. وتبرز أمام إسرائيل خيارات عدة، من بينها توسيع المنطقة العازلة والعمليات العسكرية باتجاه إقليم التفاح ومجرى نهر الزهراني، أو تثبيت وجودها عبر ما سبق أن طُرح تحت مسمى «الخط الرمادي»، من خلال إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على امتداده بعمق يقارب أربعة كيلومترات، على التلال المشرفة على المستوطنات. وقد تسعى قوات الاحتلال إلى تثبيت وجودها في نحو 20 إلى 25 نقطة عسكرية، بعد استكمال عمليات التدمير في المناطق التي وضعتها ضمن «الخط الأصفر»، إلى جانب مواقع أخرى بينها علي الطاهر، مع إبقاء المناطق المقابلة تحت المراقبة الجوية والاستطلاع والسيطرة بالنار. وعليه، فإن خفض عديد القوات البرية لا يعني بالضرورة خفض مستوى السيطرة، إذ تسعى إسرائيل إلى الاستفادة من حجم الدمار الذي أحدثته في عدد من القرى والمناطق الجنوبية لتقليل اعتمادها على الانتشار البري المباشر، مع الإبقاء على قدرة الاستهداف الجوي والمدفعي ومراقبة أي تحرك ميداني. وفي حال كان الاتجاه الإسرائيلي نحو تثبيت خطوط الانتشار، فإن تقليص القوات يصبح أكثر انسجاماً مع هذا الخيار، بينما يتطلب أي تقدم بري جديد وتوسيع لنطاق العمليات حشد قوات إضافية. وبالتالي، فإن خفض القوات قد يعكس في هذه المرحلة سعياً إلى تثبيت مواقع الاحتلال والحفاظ على السيطرة النارية بدلاً من فتح جبهة برية واسعة جديدة. وتبقى السيطرة بالنار والمراقبة الجوية والرصد عناصر أساسية في هذا الانتشار، ولا سيما في المناطق التي تعتبرها إسرائيل حساسة بالنسبة إلى مستوطناتها. كما تمنح مواقع الرصد المرتفعة، بينها جبل الشيخ والتلال التي تسيطر عليها قوات الاحتلال، قدرة على مراقبة مساحات واسعة من الجنوب والبقاع الغربي، بما يعزز نمط السيطرة عن بُعد بدلاً من الاعتماد على كثافة القوات البرية. الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب وميدانياً، تؤكد الوقائع أن إعادة توزيع القوات لم توقف الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني. فقد توغلت قوة إسرائيلية صباح الجمعة إلى محلة سدانة في خراج كفرشوبا، وطوقت مزرعة تضم عدداً من الرعاة، بالتزامن مع إطلاق النار والقصف المدفعي في المنطقة. كما تعرضت أطراف الهبارية للقصف المدفعي والتمشيط بالرشاشات الثقيلة، بالتزامن مع تحركات للآليات الإسرائيلية، فيما أقدمت القوات الإسرائيلية على إحراق عدد من المنازل في منطقة الجلاحية في الخيام. وطال القصف المدفعي أطراف زوطر الشرقية وميفدون والنبطية الفوقا، بالتزامن مع غارات استهدفت زوطر الشرقية وبني حيان والمنطقة الواقعة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، إضافة إلى غارة بين فرون والغندورية أدت إلى اندلاع حريق. كذلك نفذت قوات الاحتلال تفجيرات في دير سريان ومحيط الطيبة، وقصفت وادي الخنازير وأطراف كفرتبنيت، بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنصوري وبيت ياحون. وكان وادي الحجير ومجدل زون والأودية المجاورة قد تعرضت ليلاً للقصف المدفعي. وتكشف هذه الوقائع أن خفض عديد القوات، إن حصل، لا يعني انتهاء الضغط العسكري على الجنوب، بل يأتي ضمن إعادة صياغة لأسلوب الانتشار الإسرائيلي، بحيث يجري الجمع بين تثبيت المواقع المتقدمة، وا