يحذرنا الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في أحد نصوصه من إطالة التحديق في الهاوية، يحذرنا من الإمعان في النظر في أي هاوية ذلك أن الهاوية عندئذ وبسبب هذا التحديق المضني سوف تبتلعنا ونتحوّل بالتالي جزءاً منها. ليست الهاوية في هذا السياق واقعة مجازية على الإطلاق بل هي حقيقة ملموسة ومرئية ترانا نعايش تفاصيلها المرهقة وقد سطت بتدرّج خبيث على مجمل أيامنا، أما الطامة الكبرى فهي أن تكون هذه الهاوية جزءاً مما نعتبره تاريخياً تلك الصخرة الصلبة التي لا نرى بأساً في أن نكون محل ثقة لحظة الإتكاء عليها. إن الحياة، كل الحياة، عندئذ هي مجرد رحلة تسكّع لا تجد مستقراً لها إلا في قعر الهاوية. فأن يُستجر الواحد منا عبر جندي في الجيش اللبناني إلى هاوية تستمدّ رسوخها وقوة متانتها من البُعد الميليشيوي لهذا الجندي، فإن الجيش كصخرة صلبة هو عندئذ محلّ تساؤل ونظرة استهجان وخيبة أمل لم تكن في الحسبان على الإطلاق. فإذا كانت الدولة العميقة ميليشيوية الطابع والتوجهات، هي بمثابة الجدار الصلب والمنيع في رحلة قيام الدولة التي نرجو ونستغيث، فإن الميليشيوية العميقة في هذه المنظومة العسكرية الرسمية أو تلك، لا سيما في الجيش، تشكّل صفعة حادة وقد فُقد الإيمان بالوطن للأسف الشديد. قد يرى البعض في تلك الميليشيوية المترسبة في سلوك هذا الجندي في الجيش اللبناني أو ذاك، مجرد حالة فردية، وهي نظرة فيها من المنطق الكثير، إنما هي فردية سرعان ما تتشتت وتتلاشى على وقع اختزالنا نحن اللبنانيين، الوطن كله، في الجندي، حيث كلنا في لبنان إذا ما أردنا أن نخاطب جندياً نقول له "يا وطن". فأي وطن هو عندئذ يا ترى؟ إن التحديق في الوطن الذي نحب ونعشق بعيون الهاوية التي تتربص بنا من داخل مؤسسة نكن لها كل ضروب الإحترام والإجلال، يجعل من الأرق والخوف والتشاؤم والتوتر الدائم الخلفيات الرئيسية لمجمل يومياتنا العادية... ويا لها عندئذ من حياة!! الوطن عندها هو حقل من الألغام المخفية، حقل من الألغام المعنوية واللغم المعنوي في هذه السياقات تراه أشدّ خطراً من كل الألغام المادية مهما كان دوي هذه الألغام الأخيرة صاخباً، والخيبة في هذا الصدد هي بلا لبس المشهد الأكثر كثافة، المشهد الذي لا حدّ له. إن تشظي صورة الوطن في الوعي، عبر سلوك ينمّ عن ميليشيوية فظة، من قبل عنصر في الجيش اللبناني، هو أمر شديد الخطورة. وليس ترميم هذا التشظي بالأمر السهل، ذلك أن ثمة قناعة عندئذ هي محل اهتزاز، قناعة مفادها أن الجيش هو ضمانتنا في لبنان للعيش بكرامة، وهي قناعة ازدهرت بعمق مع خطاب القسم لفخامة الرئيس جوزاف عون، لتتعمق أكثر فأكثر مع البيان الحكومي لحكومة العهد الأولى. ثمة غبش لا يني يتراكم فوق هذه القناعة عندئذ وهو غبش تراه يسوق المرء إلى مأزق مؤرق يتشكّل أكثر ما يتشكّل على صورة علامة سؤال ضخمة حيال تصوراتنا عن الوطن، لا سيما في هذه المرحلة شديدة الدقة والخطورة من تاريخ لبنان. فأن يعاد رسم صورة الوطن عبر مزج مقيت بين البزة العسكرية للجيش من ناحية، والسلوك الميليشيوي لمرتدي هذه البزة من ناحية ثانية، فإن الأمر بغاية السوء والخيبة، والجهر بالقول من ثم أن الأمن في لبنان إنما هو مفهوم زائف يصير من بديهيات الأمور. ليس من يُسر الأمور ترميم ذاكرة ذلك الوطن الذي لطالما اشتهيناه عندما نرى "الوطن" وقد تجلبب بلباس ميليشيوية الثمانينيات مثلاً. إن غصّة المنفى داخل حدود الوطن حينئذ تراها وقد طغت على كل المشاعر الأخرى. فأن يكون المرء غريباً عن وطنه وقد تمّ سوقه عنوة إلى تلك الهاوية السحيقة، فإن الوطن من ثم هو عبارة عن زلزال يهدم أكثر ما يهدم مشاعر الطمأنينة والأمان. زلزال مرهق تراه يدجّن العواطف والإنفعالات بحسب شروط تلك الميليشيوية العميقة والتي تنخر جوهر المؤسسات، زلزال ساحق ماحق تراه يلبّي شروط حاضر ميليشيوي الطابع وهي بطبيعة الحال ميليشيوية أشدّ خطراً وأكثر رعباً من أي ميليشيوية، لأنها تعبث بتصورات مثالية عن مؤسسة الجيش اللبناني الذي أصرّ على الرغم من كل ما ذكر أعلاه، على أنه حضننا الأخير، على أنه ضمانة استقرارنا في هذا البلد. في كتابه عن تاريخ الجيش اللبنان، بعنوان "جيوش لبنان – انقسامات وولاءات"، يفتتح الكاتب اللبناني نقولا ناصيف بالعبارة التالية: "من أجل ماض يقتضي أن يُحفظ كي لا يتكرر"... تراني في خاتمة هذه المادة أكرر عبارة ناصيف هذه وكلي ثقة بأن قيادة الجيش اللبناني تنظر بدورها إلى هذا الماضي المحزن وفي بالها عدم السماح بتكراره، وبالتالي بتر الحد الأدنى من ميليشيوية قد تتخلل جسد هذا الجيش الذي نكنّ له كل ضروب الرفعة والتقدير.