مع اقتراب مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" من محطة مفصلية، في ظل قرار مجلس الأمن إنهاء عملياتها في 31 كانون الأول 2026 وبدء انسحابها المنظم، تبرز تجارب أخرى في الشرق الأوسط لقوات دولية تتولى مراقبة خطوط التماس واتفاقات وقف إطلاق النار ومنع الاحتكاك بين دول المنطقة. ورغم خصوصية تجربة "اليونيفيل" التي تأسست عام 1978 وتوسعت مهامها لاحقاً، فإنها ليست النموذج الوحيد في المنطقة. فعلى بعد عشرات الكيلومترات من جنوب لبنان، تنتشر قوة أممية أخرى منذ أكثر من نصف قرن، فيما تعمل في سيناء قوة متعددة الجنسيات خارج مظلة الأمم المتحدة. تُعد قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "UNDOF"الأندوف"في الجولان واحدة من أبرز التجارب التي تشبه "اليونيفيل". وأنشئت القوة في أيار 1974 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 350، عقب اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، وتتمثل مهمتها الأساسية في مراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على تنفيذ الاتفاق والفصل بين القوات في منطقة الجولان. وتراقب "الأندوف" المنطقة الفاصلة، وترصد التحركات والانتهاكات وترفع التقارير بشأنها، فيما أكدت الأمم المتحدة في آذار 2026 أن عناصر القوة يواصلون العمل على منع الاحتكاك والتصعيد ومراقبة الانتهاكات والإبلاغ عنها. وبذلك، يشكل نموذج الجولان واحداً من أقرب النماذج إلى جنوب لبنان: قوة عسكرية دولية تابعة للأمم المتحدة، منتشرة بين طرفين في حالة نزاع، ومهمتها مراقبة ترتيبات أمنية محددة ومنع الحوادث الميدانية من التحول إلى مواجهة أوسع. سيناء.. قوة دولية ولكن خارج الأمم المتحدة النموذج الآخر المختلف يوجد بين مصر وإسرائيل، وتحديداً في شبه جزيرة سيناء، حيث تنتشر "القوة متعددة الجنسيات والمراقبون" MFO. وبعكس "اليونيفيل" و"الأندوف"، لا تتبع هذه القوة للأمم المتحدة، بل هي منظمة دولية مستقلة أنشئت باتفاق بين مصر وإسرائيل لمراقبة تنفيذ الأحكام الأمنية لمعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية. وتنتشر القوة في مواقع داخل سيناء، وتستخدم وسائل مراقبة برية وجوية وبحرية للتحقق من الالتزام بالترتيبات الأمنية. ويبلغ قوامها العسكري المصرح به خلال عام 2026 نحو 1164 عنصراً. وتكمن أهمية تجربة سيناء في أنها تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً: وجود عسكري دولي طويل الأمد لا يستند إلى عملية حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، بل إلى تفاهم مباشر بين الدولتين المعنيتين تشارك دول أخرى في ضمان تنفيذه. أما النموذج الثالث، فهو هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة "UNTSO"، التي تعود إلى عام 1948 وتُعد أول عملية لحفظ السلام أنشأتها الأمم المتحدة. وعلى خلاف "اليونيفيل"، لا تعتمد "UNTSO" على آلاف الجنود المسلحين، وإنما على ضباط عسكريين غير مسلحين مهمتهم المراقبة والتحقق وإعداد التقارير والمساعدة على منع الحوادث من التحول إلى مواجهات أوسع. ويبلغ قوامها المصرح به 159 مراقباً عسكرياً. والمفارقة أن لهذه الهيئة وجوداً في لبنان نفسه، من خلال "مجموعة المراقبين في لبنان - OGL" التي تدعم "اليونيفيل"، كما توجد مجموعة أخرى في الجولان تدعم "الأندوف". ويعمل المراقبون ضمن فرق متعددة الجنسيات، فيما تحتفظ الهيئة بمكاتب ارتباط في بيروت والقاهرة ودمشق، إلى جانب مقرها في القدس. وعملياً، تكشف هذه التجارب عن ثلاثة أشكال للوجود الدولي العسكري في المنطقة: نموذج "اليونيفيل" و"الأندوف" القائم على قوات حفظ سلام أممية، ونموذج "MFO" في سيناء القائم على قوة متعددة الجنسيات باتفاق بين الدول المعنية، ونموذج "UNTSO" الأخف عسكرياً والقائم أساساً على مراقبين وضباط ارتباط. وتكتسب هذه النماذج أهمية إضافية بالنسبة إلى لبنان مع اقتراب نهاية عمليات "اليونيفيل"، خصوصاً أن مجلس الأمن طلب من الأمين العام للأمم المتحدة استكشاف خيارات تتعلق بمستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة، بما يشمل المساعدة في مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش جنوب الليطاني.