وطن-يواجه لبنان موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة مع القفزة الحادة في أسعار الوقود، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، إلى جانب آثار المواجهات العسكرية والتوترات الإقليمية. ومع وصول سعر ليتر البنزين إلى نحو 1.60 دولار، تتزايد الضغوط على قطاعات النقل والخبز والسلع الأساسية، بينما تلوّح النقابات بتحرك واسع وإضراب عام إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة للحد من تداعيات ارتفاع الأسعار. وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، تضاعفت أسعار الوقود في لبنان منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ما أثار استياءً واسعاً في ظل هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع قدرة الأسر على تحمل موجات جديدة من ارتفاع الأسعار. الوقود يضاعف كلفة الحياة اليومية لا تقتصر آثار ارتفاع أسعار المحروقات على سائقي السيارات والشاحنات، إذ تنتقل سريعاً إلى مختلف حلقات الاقتصاد، من النقل والشحن إلى إنتاج الخبز ونقل المواد الغذائية والسلع الأساسية. ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه البلاد بدرجة كبيرة على النفط لتوليد الكهرباء وتشغيل وسائل النقل، ما يجعل ارتفاع أسعار الطاقة عاملاً مباشراً في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل. وكان البنك الدولي قد حذر من أن ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن سيزيدان الضغوط التضخمية في لبنان خلال 2026. ويقول بسام، وهو سائق شاحنة لنقل الأثاث يقيم في الضاحية الجنوبية لبيروت، لـ«ميدل إيست آي»، إن الوضع أصبح «لا يُحتمل»، مشيراً إلى أن ارتفاع كلفة المعيشة جعل بعض الأسر تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها اليومية، بما فيها الخبز. وأضاف أن عدداً من اللبنانيين فقدوا مصادر دخلهم خلال فترة الحرب، قبل أن تأتي أزمة الوقود لتضيف عبئاً جديداً على الأسر التي تكافح أصلاً لتأمين احتياجاتها الأساسية. وفي مواجهة ارتفاع الأسعار، دعا الاتحاد العمالي العام في لبنان الحكومة إلى إعلان حالة طوارئ اقتصادية، ملوحاً، وفق «ميدل إيست آي»، بإضراب عام مفتوح إذا لم تتم معالجة مطالبه. وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الحكومة ستبحث مطالب النقابات، في وقت تواجه فيه الدولة قيوداً مالية كبيرة تحد من قدرتها على تقديم دعم واسع للأسعار أو امتصاص الزيادات المتلاحقة في تكاليف المعيشة. كما دعت نقابات واتحادات في قطاع النقل إلى تحرك واسع على مستوى البلاد، وسط تصاعد المخاوف من انعكاس أزمة الوقود على مختلف القطاعات الاقتصادية. وتأتي هذه التحركات في وقت شهد فيه وسط بيروت احتجاجات لمتقاعدين عسكريين اعتراضاً على مشروع موازنة عام 2027، ولا سيما في ظل عدم تضمينه زيادات في المعاشات التقاعدية وفق ما أوردته التقارير. تأتي أزمة الوقود في وقت كان لبنان قد بدأ يسجل مؤشرات على تعافٍ اقتصادي محدود بعد سنوات من الانكماش. فوفق أحدث تقرير للبنك الدولي، نما الاقتصاد اللبناني بنسبة تقديرية بلغت 4.2% في 2025، مدفوعاً بتحسن الاستهلاك والاستثمار والسياحة وبعض المؤشرات الاقتصادية، لكن تجدد الصراع خلال مارس/آذار 2026 أدى إلى تعطيل هذا المسار الهش. ويتوقع البنك الدولي الآن انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4% خلال 2026. كما يتوقع البنك الدولي ارتفاع التضخم إلى نحو 17.5% في 2026، مدفوعاً باضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، ما يزيد الضغط على القدرة الشرائية للأسر اللبنانية. ويشير البنك الدولي أيضاً إلى أن القطاع المصرفي لا يزال يعاني ضعفاً عميقاً، بينما يبقى الدين العام غير مستدام، في وقت لم تبدأ فيه بعد مفاوضات إعادة هيكلة الدين. وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، عندما دخل النظام المصرفي في أزمة عميقة وفرضت المصارف قيوداً غير رسمية على سحب الودائع والتحويلات. ومنذ ذلك الحين، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها، وفق بيانات البنك الدولي، ما أدى إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية وغيّر بصورة جذرية تكاليف الحياة بالنسبة إلى الأسر التي تتقاضى جزءاً كبيراً من دخلها بالعملة المحلية. ويقول إيهاب أبو زين الدين، وهو أب لطفلين يعمل سائقاً لدى عائلة ويتقاضى 600 دولار شهرياً، لـ«ميدل إيست آي»، إن راتبه بالكاد يغطي احتياجات الحياة الأساسية، مضيفاً أن دخول المتاجر بمبلغ 20 دولاراً لم يعد يتيح شراء الكثير من السلع. وتعكس هذه الشهادة حجم الضغوط التي تواجهها الأسر، حتى بالنسبة إلى العاملين الذين يتقاضون أجوراً بالدولار، مع ارتفاع أسعار الخدمات والسلع الأساسية. ويمتد تأثير ارتفاع أسعار المحروقات إلى قطاع الخبز، باعتبار الوقود أحد عناصر التكلفة الرئيسية في الإنتاج والنقل. وكانت الحكومة اللبنانية قد تدخلت على مدى سنوات في سوق القمح والخبز بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار، لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج دفع وزارة الاقتصاد إلى ر