ألقى رئيس مجلس الوزراء القاضي الدكتور نواف سلام، كلمة لبنان خلال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة رؤساء الدول والحكومات، في نيويورك، قال فيها: "السيد الرئيس، معالي الأمين العام، كلما أمعنت النظر في عنوان هذه الدورة من الجمعية العامة "استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع"، ازددت يقيناً بصواب اختياره؛ فمن دون الثقة المتبادلة لا يمكن للأمن والسلام ان يترسخا بين الدول، ولا للتعاون بينها ان ينمو. فقبل أكثر من ثمانين عامًا، أُنشئت الأمم المتحدة على وعد بأن تحلّ قوة القانون محلّ قانون القوة. لكننا لا نزال نعيش في عالم تتزايد فيه الحروب والنزاعات، ويُنفق فيه على التسلّح أكثر مما يُنفق على التنمية، فيما يبقى المدنيّون الضحية الأولى، ويواجه الملايين التهجير والجوع والحرمان. والمشكلة ليست في غياب القواعد، بل في انتقائية تطبيقها، إن لم يكن في عدم تطبيقها. فلا يمكن أن تكون سيادة الدول لا تمس هنا، وقابلة للتفاوض هناك، وأن تُطبّق قواعد القانون الدولي على البعض دون الآخرين. إن استعادة الثقة تقتضي احترام القانون الدولي، والاستثمار في الوقاية من النزاعات قبل اندلاعها، وفي التنمية قبل أن يتحوّل الفقر والحرمان إلى مصدر للعنف والتطرّف والإرهاب، فالتنمية قضية سلام أيضًا، فلا سلام مستدامًا في عالم تتفاقم فيه الفجوات الاقتصادية، وتُنفِق فيه دولٌ على خدمة ديونها أكثر مما تنفق على صحة مواطنيها وتعليم أطفالها. وهذا لا يعفي الدول النامية من مسؤولياتها في الإصلاح ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات. لكن هذه الجهود تحتاج إلى نظام اقتصادي دولي أكثر إنصافًا وعدالة، يتيح لها فرصًا حقيقية للنهوض. تبرز مسؤوليتنا المشتركة أيضًا في مواجهة التحوّلات الكبرى التي يشهدها عالمنا. فالتغيّر المناخي يهدّد حياة الملايين ومصادر رزقهم، فيما تتحمّل الدول الأقل إسهامًا فيه أشدّ تداعياته، ما يقتضي تمويلًا عادلًا للتكيّف ونقل التكنولوجيا. وفي المقابل، تفتح ثورة الذكاء الاصطناعي آفاقًا غير مسبوقة للتقدّم في مختلف مجالات الحياة، لكنها تطرح تحدّيات تتعلّق بمستقبل العمل وحقوق الإنسان وحرياته، ما يستدعي حوكمة دولية تضع الإنسان في حريّته وخصوصيّته، في صلب هذا التحوّل. والأهم، يجب ألا نسمح بظهور فجوة ذكاء اصطناعي تضاف إلى فجوات الثروة والتنمية القائمة. إن استعادة الثقة تقتضي أن يشعر الإنسان بأن القانون يحميه، والتنمية لا تستثنيه، والتقدّم لا يتجاوزه. وإذا كانت استعادة الثقة تحدّيًا يواجه عالمنا اليوم، فهي بالنسبة إلى لبنان ليست شعارًا نرفعه، ولا إدارة التحوّل خيارًا نناقشه؛ إنهما جوهر المهمة التي تعهّدنا بها أمام شعبنا، وأمام اشقائنا العرب، وأمام العالم أجمع، يوم كُلّفت برئاسة الحكومة اللبنانية. لقد تولّينا المسؤولية وبلدنا يواجه ثلاثة تحديات مصيرية: أن يستعيد ثقة شعبه بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت وما خلّفاه من مآسٍ وجراح؛ وأن يستعيد قراره الوطني، بحيث لا تكون سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية؛ وأن يستعيد كامل أرضه من الاحتلال الإسرائيلي، ويبسط سيادته على كامل ترابه الوطني بقواه الذاتية تنفيذا لاتفاق الطائف، واحتراماً صادقاً، للقرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، ولعل أهمها القرار 1701، الذي يبقى الى اليوم مرجعاً أساسياً ناظماً للعلاقة بين لبنان وإسرائيل. ثقةٌ تُبنى، وقرارٌ يُستعاد، وأرضٌ تُحرَّر. تلك هي معادلة النهوض بلبنان. وهذه ليست ثلاثية تحديات منفصلة، بل ثلاثة أوجه لقضية واحدة: استعادة دولةً يثق بها مواطنوها، وتملك قرارها، وتمارس سيادتها على كامل أراضيها. أولًا، إن الثقة التي نريد استعادتها ليست ثقةً بالكلمات، بل بالمؤسسات التي تحمي الحقوق، وبالقضاء الذي يضمن العدالة، وباقتصاد يعيد إلى الناس الازدهار، وإلى الشباب فرصهم بمستقبل افضل. ولا يمكن أن نتحدث عن استعادة الثقة من دون استحضار انفجار مرفأ بيروت. فجرح الرابع من آب لا يزال مفتوحًا، ولا يمكن أن يندمل من دون الحقيقة والعدالة والمحاسبة. وهي آتية لا محال. قد يرى البعض أن حكومتنا لم تفِ بعد بكل ما تعهّدت به. ونحن لا ندّعي أن المهمة قد أُنجزت. لكن الإنصاف يقتضي ألّا نُغفل حجم التركة التي ورثناها: مؤسسات أصابها الشلل، وإدارة تراجعت فاعليتها، واقتصاداً فقد مقوّمات نموّه، ودولة أضعفتها أزمات متراكمة وتدخلات خارجية امتدّت عقودًا. ومع ذلك، لم نتخذ من صعوبة الظروف ذريعةً للتراجع عن التزاماتنا. فلبنان باشر ورشة إصلاحات على أكثر من صعيد، في تفعيل الإدارة وتعزيز استقلالية القضاء، وتحديث قانون الاعلام، وإلغاء عقوبة الإعدام. وهو يتقدم في الطريق الى استكمال الإصلاحات المالية بهدف إعادة الانتظام