في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وأسرية متراكمة يعيشها اللبنانيون منذ سنوات، تتزايد المخاوف من انعكاس هذه الضغوط على الصحة النفسية، ولا سيما لدى المراهقين والفئات العمرية الصغيرة، وسط صعوبة في تكوين صورة إحصائية دقيقة عن حالات الانتحار ومحاولاته في لبنان. وفي هذا السياق، حذرت الكاتبة والباحثة في علم النفس الاجتماعي لينا حجازي، خلال مقابلة ضمن برنامج "3:15 إجتماع" عبر شاشة "RED TV"، من أن الأرقام المتداولة بشأن حالات الانتحار "مخيفة"، مشيرة في الوقت نفسه إلى غياب نظام إحصائي دقيق في لبنان يسمح بتحديد الحجم الفعلي للظاهرة. وأوضحت أن الوصمة الاجتماعية المحيطة بالانتحار والصحة النفسية تدفع كثيرًا من العائلات إلى عدم الإبلاغ عن محاولات الانتحار أو حالات تناول الأدوية بهدف إيذاء النفس، ما يعني أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس كامل الواقع. وقالت حجازي إن الألم الذي يصبح غير محتمل قد يدفع الإنسان إلى الانتحار، لافتة إلى أن قدرة التحمّل تختلف من شخص إلى آخر، وبالتالي لا يمكن قياس تأثير الضغوط بالطريقة نفسها على جميع الأفراد. وشددت على أنه لا يمكن توصيف الانتحار بأنه "قرار" بالمعنى التقليدي، لأن القرار يفترض وجود مستوى من الوعي والقدرة على الاختيار، في حين أن الشخص الذي يصل إلى هذه المرحلة قد يكون واقعًا تحت ضغط نفسي شديد يؤثر في قدرته على التفكير والتقدير. ولفتت إلى أن للألم مظاهر وأسبابًا متعددة، وقد يكون ناتجًا من علاقة عاطفية فاشلة أو خيبات أمل متكررة، كما قد يرتبط بالوضع الاقتصادي الصعب والبطالة والفقر، إضافة إلى تداعيات انفجار مرفأ بيروت والحروب وما خلّفته من ضحايا وخسائر. وأكدت حجازي أن الفئات العمرية الصغيرة ليست بمنأى عن هذه الضغوط، إذ يمكن أن تظهر عليها مؤشرات مثل رفض الانخراط في المجتمع والتراجع أو التأخر الدراسي. ورأت أن المراهقين يُعدّون من الفئات الأكثر عرضة لخطر الانتحار، في ظل مجموعة من الضغوط المرتبطة بالاستحقاقات الدراسية وتشكيل الهوية ومحاولة إثبات الشخصية في مرحلة عمرية شديدة الحساسية. وتوقفت عند دور الأسرة، معتبرة أن الأهل يشكلون مصدر الأمان الأساسي للأولاد، إلا أن الضغوط الاقتصادية التي يتعرضون لها قد تؤدي أحيانًا إلى تراجع قدرتهم على أداء هذا الدور بالصورة المطلوبة. ودعت في هذا الإطار إلى الاستماع بصورة أكبر إلى الأطفال والمراهقين ومحاولة فهم مخاوفهم وما يمرون به، بدل الاكتفاء بمراقبة سلوكهم من الخارج. وأشارت حجازي إلى أن الحاجة إلى المساعدة تبدأ بالظهور عندما يهرب الشخص من استحقاقاته أو عندما يصبح الخوف هو العامل الذي يتحكم بقراراته ويؤثر في قدرته على مواجهة حياته بصورة طبيعية. وفي الشق الاقتصادي، أوضحت أن الأزمات المالية ليست استثناءً في المجتمعات، لكن العامل الحاسم يكمن في حدّة الأزمة وطول مدة استمرارها، إذ يلعبان دورًا مباشرًا في قدرة الفرد على التحمّل والتكيّف. وأضافت أن استمرار الحاجة والضغوط لفترات طويلة يولّد لدى الفرد شعورًا متزايدًا بالإحباط والعجز، خصوصًا عندما تتراجع قدرته على رؤية مخرج واضح من واقعه. ولا تتوقف الضغوط عند الجانب الاقتصادي، بحسب حجازي، إذ تعيش الأسر بدورها خلافات داخلية في ظل ما وصفته بتزايد حالات التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق، ما يضيف عوامل نفسية واجتماعية أخرى إلى الأعباء التي يواجهها الأفراد. وأكدت أن العوامل التي قد تدفع الإنسان إلى الانتحار لا تختصر بسبب واحد أو اثنين، بل تكون في كثير من الأحيان نتيجة مجموعة من الضغوط المتراكمة، ما يجعل التدخل المبكر وطلب المساعدة أمرًا أساسيًا قبل الوصول إلى ما وصفته بـ"الخط الأحمر". وتأتي هذه التحذيرات في وقت لا يزال فيه اللبنانيون يواجهون آثار أزمات متلاحقة، من الانهيار الاقتصادي والبطالة وتراجع القدرة الشرائية إلى آثار انفجار المرفأ والحروب والخسائر البشرية والاجتماعية، وهي ظروف تجعل مراقبة المؤشرات النفسية المبكرة والاستماع إلى الأفراد داخل الأسرة والمجتمع جزءًا أساسيًا من الوقاية قبل تحوّل الضغط المتراكم إلى خطر فعلي.