بدأت القضية بتغريدة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى إخبار قضائي، ثم إلى قرار بتجميد الحسابات، قبل أن تنتقل المواجهة إلى الكواليس مع انطلاق وساطات على أكثر من خط. قبل صدور قرار التجميد، كانت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قد اتخذت، بناءً على طلب الحاكم كريم سعيد، قراراً عاماً يقضي بتجميد حسابات كل شخص يدّعي عليه مصرف لبنان. وتضم الهيئة الحاكم كريم سعيد رئيساً، ورئيس لجنة الرقابة على المصارف مازن سويد، والقاضية سهير الحركة، وشادي حنا. وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، حظي القرار المذكور بموافقة أعضاء الهيئة بالإجماع، علماً أن القانون لا يشترط الإجماع، بل ينص على اتخاذ قرارات هيئة التحقيق الخاصة بأكثرية أصوات الأعضاء الحاضرين، على أن يكون صوت الرئيس مرجّحاً عند التعادل. بعد ذلك، شنّت الصحافية سمارة القزي هجوماً عبر منصة “إكس” على سويد، متهمةً إياه بلعب دور بارز في حماية أفراد من النخبتين السياسية والمالية من التدقيق في شبهات تبييض الأموال وجرائم مالية أخرى. لكن القزي لم تحصر اتهاماتها بسويد أو بسلوكه الفردي، بل وسّعت نطاقها لتشمل المؤسسات الرقابية نفسها. وكتبت أن المسألة “لا تتعلق بمجرد سوء سلوك فردي”، معتبرةً أن تعمّد مسؤول رقابي رفيع عدم معالجة أدلة على جرائم مالية أو طمسها يثير مخاوف بشأن “تواطؤ مؤسساتي”. وبذلك، لم يعد ما نشرته اتهاماً شخصياً لسويد، بل اتهاماً مباشراً للمنظومة الرقابية بالتواطؤ وتقويض الجهود الرامية إلى إصلاح القطاع المالي. كما زعمت أن جهود المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية للامتثال للمعايير الدولية تتعرض للعرقلة بسبب أداء الجهة الأساسية المشرفة على القطاع المصرفي. ولم تكتفِ القزي بنشر هذه الاتهامات أمام متابعيها، بل أرفقت منشورها بإشارة مباشرة إلى حساب وزارة الخزانة الأميركية، في خطوة يصعب فصلها عن محاولة إيصال الاتهامات إلى جهة أميركية رسمية وإلحاق أكبر ضرر ممكن بسويد وبالمؤسسات الرقابية التي يمثلها. اعتبر سويد أن التغريدة لم تمسّه بصفته الشخصية فقط، بل طعنت بصورة صريحة في عمل لجنة الرقابة على المصارف التي يرأسها وهيئة التحقيق الخاصة التي يشغل عضويتها، ولا سيما أن القزي استخدمت بنفسها عبارة “التواطؤ المؤسساتي”. وبناءً على ذلك، طُلب من مصرف لبنان اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فتقدّم المصرف بإخبار أمام النيابة العامة الاستئنافية في بيروت، تناول جرائم القدح والذم والتشهير بسلطة رقابية، إلى جانب شبهات بجرائم مالية يعود إلى القضاء تحديد طبيعتها ومدى ثبوتها. وسُجّل الإخبار رسمياً لدى دائرة النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش. وبحسب المعلومات، فور اطلاع محامي مصرف لبنان على المستندات التي تؤكد تسجيل الإخبار، أُضيف اسم سمارة القزي إلى قرار هيئة التحقيق الخاصة، ليشمل تجميد حساباتها ورفع السرية المصرفية عنها لمصلحة المراجع القضائية المختصة. ومنذ تلك اللحظة، انتقلت المعركة من منصة “إكس” إلى الكواليس. وتكشف معلومات “ليبانون ديبايت” أن القزي باشرت سلسلة من الاتصالات والوساطات بهدف رفع اسمها من القرار، فيما يدفع الحاكم كريم سعيد في الاتجاه نفسه. إلا أن شطب الاسم لا يمكن أن يتم بقرار فردي، بل يحتاج إلى اجتماع جديد لهيئة التحقيق الخاصة وقرار يصدر عنها بالأكثرية وفق الأصول القانونية. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي: هل تُطبّق القرارات الرقابية وفق معيار واحد، أم تصبح قابلة للتراجع عندما تبدأ الضغوط وتتحرك الوساطات؟ فمازن سويد، صاحب المسار المهني والأكاديمي المعروف في الشأنين المالي والاقتصادي، لا يجوز أن يتحول إلى هدف لحملة تتجاوز شخصه إلى اتهام المؤسسات التي يعمل ضمنها بـ”التواطؤ”. والمساءلة حق، لكن اتهام مسؤول رقابي بحماية مشتبه فيهم وطمس أدلة على جرائم مالية، ثم استدعاء الخزانة الأميركية إلى الحملة، ليس نقداً عابراً يمكن إطلاقه من دون مستندات أو تحمّل المسؤولية. القضية لم تعد تغريدة ضد سويد، بل اتهاماً مباشراً للجنة الرقابة على المصارف والمنظومة الرقابية بالتواطؤ وتقويض إصلاح القطاع المالي. وعندما تكون الاتهامات بهذا الحجم، يصبح القضاء المكان الطبيعي لاختبارها، لا منصات التواصل الاجتماعي ولا حملات الضغط الخارجية. أما محاولة معالجة النتائج بالوساطات، فلا تلغي السؤال الأساسي: أين الأدلة التي بُنيت عليها هذه الاتهامات؟