في أقل من أسبوع، دفنت مناجم الذهب في السودان 93 عاملاً. في منتصف أيلول انهارت ست حفر متصلة في منجم بقرية الرقيق قرب النهود بولاية غرب كردفان، بعد أن أضعفت الأمطار جدرانها، فقُتل 82 شخصاً. وبعد أربعة أيام قُتل 11 عاملاً وأصيب 30 في انهيار منجم آخر بمحلية أوني في ولاية البحر الأحمر. وقعت الكارثتان على طرفي الخريطة العسكرية. فغرب كردفان تسيطر عليه قوات الدعم السريع، والبحر الأحمر تحت سلطة الجيش. والقاسم المشترك بين المنطقتين أنه لا أحد يحمي من يحفر. يُستخرج ما بين 80 و90 في المئة من ذهب السودان عبر التعدين التقليدي. وهذا يعني آلاف الحفر العشوائية المنتشرة في أنحاء البلاد، تُحفر بأدوات بدائية، بلا معايير سلامة ولا رقابة، ويعمل فيها أطفال إلى جانب الكبار مقابل أجر يومي. وتتكرر هذه الحوادث. ففي كانون الثاني قُتل ستة عمال في منجم "أم فكرون" بجنوب كردفان، وفي نيسان قُتل ستة آخرون في كليتي بالبحر الأحمر. لكن حادثة النهود هي الأكبر هذا العام. المفارقة في الأرقام. فقد أنتج السودان في عام 2025 أكثر من 70 طناً من الذهب، وهو رقم قياسي تحقق في ذروة الحرب. لكن الصادرات الرسمية لم تتجاوز نحو 20 طناً. أي أن نحو 50 طناً لا يُعرف رسمياً أين ذهبت، ويُقدَّر أن معظمها هُرّب إلى الخارج. منذ نيسان 2023 تحوّل الذهب إلى العملة الفعلية لحرب قُتل فيها نحو 59 ألف شخص وفق أكثر التقديرات تحفظاً. تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق التعدين في دارفور وكردفان، ويسيطر الجيش على مناجم الشمال ونهر النيل والبحر الأحمر. ويستخدم الطرفان الذهب لشراء السلاح والمسيّرات ودفع رواتب المقاتلين، بعيداً عن النظام المصرفي والعقوبات. والنتيجة أن المعدن الذي كان يُفترض أن يعوّض السودان عن خسارة نفط الجنوب، ويموّل إعادة الإعمار بعد الحرب، صار يطيلها. فكل طرف يملك مصدر تمويل مستقلاً في باطن الأرض، وما دام الذهب يتدفّق لا يجد أي منهما دافعاً حقيقياً للتسوية. وبين طرفين يتقاسمان الذهب، يدفع العامل الثمن مرتين، إذ يحفر بلا حماية ليكسب أجراً يومياً، ثم يُدفن في الحفرة نفسها. أما الذهب الذي استخرجه فيعبر الحدود ليعود إلى الحرب على شكل رصاص.