تتسع في تركيا واحدة من أكبر القضايا المالية التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة، مع ارتفاع عدد الموقوفين إلى 45 شخصًا من أصل 69 مشتبهًا بهم، وتجميد أصول بمئات ملايين الليرات، فيما بات مصير أموال نحو 455 ألف مستثمر مرتبطًا بعملية تصفية واسعة لصناديق استثمار، وسط محاولة من الرئيس رجب طيب أردوغان لطمأنة الأسواق والتأكيد أن الأزمة لا تهدد النظام المالي التركي. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أوقفت السلطات التركية هذا الأسبوع 11 مشتبهًا بهم إضافيًا ضمن تحقيق واسع يتعلق بشبهات مخالفات خطيرة في سوق رأس المال، ليرتفع بذلك عدد الموقوفين في القضية إلى 45 من أصل 69 شخصًا شملتهم الإجراءات القضائية. وتؤكد تقارير تركية صادرة اليوم هذه الأرقام. ويتقدم قائمة الأسماء التي استقطبت الاهتمام إركان كيليمجي، الذي شغل منصب نائب محافظ البنك المركزي التركي بين عامي 2016 و2018، وكان أخيرًا عضوًا في مجلس إدارة شركة "تيرا ياتيريم"، التي ترتبط إحدى شركاتها التابعة بمجموعة من شركات إدارة المحافظ التي تعثرت في دفع مبالغ الاسترداد لعملائها. وأكدت مصادر تركية توقيف كيليمجي ضمن التحقيق الحالي. وإلى جانبه، أوقف مسؤولون بارزون آخرون، بينهم رئيس "تيرا ياتيريم" إمره تزمن، ورئيس "بوسولا هولدينغ" سردار تورهان، وهما من الأسماء المرتبطة بالشركات التي وضعت في قلب التحقيقات المالية الجارية. وكان التحقيق قد خرج إلى العلن في 14 أيلول، مع توقيف رئيس "بوسولا"، قبل أن يتسارع بعد عجز عدد من الصناديق عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المستثمرين. وبعد يومين، في 16 أيلول، هبط المؤشر الرئيسي لبورصة إسطنبول بنسبة 6%، ما دفع وزارة الخزانة والمالية التركية إلى عقد اجتماع للجنة الاستقرار المالي، التي ربطت الاضطرابات بمشكلات السيولة والائتمان لدى عدد محدود من الصناديق المدارة من جانب عدة شركات. وأظهرت تقارير لاحقة أن أزمة السيولة أدت إلى موجة بيع واسعة في السوق، فيما اتخذت الجهات التنظيمية سلسلة إجراءات لاحتواء التداعيات. وفي إطار التدابير الطارئة، قررت هيئة أسواق المال التركية تصفية 131 صندوقًا تديرها 7 شركات مختلفة، فيما عُهد إلى مصرفين كبيرين بالإشراف على عمليات التصفية. وأعلنت الهيئة رسميًا أن عدد المستثمرين الفريدين الذين يملكون وحدات في هذه الصناديق يبلغ 455758 شخصًا. وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، كانت هذه الصناديق تدير، حتى منتصف أيلول، أصولًا تتجاوز قيمتها 800 مليار ليرة تركية تعود إلى نحو 455 ألف مستثمر. كما قُدمت شكاوى جنائية بشبهة التلاعب في السوق، الأمر الذي أدى إلى فحص التحركات في الحسابات المصرفية ومحافظ العملات المشفرة الخاصة بمسؤولين في الشركات المشتبه بها، إضافة إلى تعقب تحويلات مالية إلى خارج البلاد. وفي إطار الإجراءات، جمد مجلس التحقيق في الجرائم المالية نحو 387.5 مليون ليرة في حسابات الصناديق، إلى جانب أصول تبلغ قيمتها نحو 750 مليون ليرة، أي ما يعادل نحو 15.3 مليون دولار، ضمن إجراءات الحجز. وفي مواجهة المخاوف المتزايدة، علّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الأسبوع على القضية خلال زيارته إلى نيويورك، ساعيًا إلى طمأنة المستثمرين. وقال أردوغان: "لا يوجد أي خطر على نظامنا المالي أو على الاقتصاد التركي"، موضحًا أن المشكلة محصورة في عدد محدود من الصناديق ضمن جزء معين من أسواق رأس المال، ومؤكدًا أن السلطات ستتخذ كل الإجراءات اللازمة وأن "كل من يتحمل المسؤولية سيحاسب أمام القانون". ومن المتوقع أن تستمر عملية تصفية الصناديق حتى نحو 6 أشهر، فيما ستتحدد المبالغ النهائية التي سيحصل عليها المستثمرون وفق الأسعار التي ستباع بها أصول تلك الصناديق. وبين توقيف مسؤولين ماليين بارزين وتصفية 131 صندوقًا ومصير أموال مئات آلاف المستثمرين، تتحول القضية من تحقيق في مخالفات محتملة داخل عدد محدود من المؤسسات إلى اختبار ثقة أوسع للسوق التركية، حتى مع إصرار أردوغان والسلطات المالية على أن الأزمة تبقى محصورة ولا تشكل خطرًا على الاقتصاد أو النظام المالي ككل.