بعد عقود من الهيمنة والحروب والعمليات السرية والجولات الدبلوماسية التي حاولت من خلالها واشنطن رسم شكل الشرق الأوسط، تطرح قراءة جديدة لمجلة "الإيكونوميست" سيناريو مختلفًا للمرحلة المقبلة: الولايات المتحدة تتجه إلى تقليص دورها تدريجيًا في المنطقة، فيما تستعد إيران وتركيا وإسرائيل للتنافس على الفراغ الذي قد تتركه وراءها. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون، نقلًا عن مجلة "الإيكونوميست"، تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة حاليًا في الشرق الأوسط من دون طريق سهل للخروج من حربها مع إيران، إلا أن المجلة ترى أن هذه المواجهة، أياً تكن نهايتها، قد تشكل لحظة تاريخية تتراجع فيها واشنطن عن دورها المهيمن في المنطقة. وبحسب هذه القراءة، قد تكون هذه المرة الأولى منذ نحو 100 عام التي لا يُفرض فيها النظام الإقليمي العام في الشرق الأوسط بواسطة قوى من خارج المنطقة. وتقول "الإيكونوميست" إن الولايات المتحدة تتجه، بعد 3 حروب وعدد كبير من العمليات السرية والجولات الدبلوماسية، إلى إنهاء محاولاتها فرض رؤيتها على المنطقة، مع بقائها لاعبًا حاضرًا وقادرًا على استخدام القوة العسكرية من حين إلى آخر، لكن من دون الاستمرار في دور "مهندس الشرق الأوسط". وترى المجلة أن مؤشرات التراجع الأميركي باتت واضحة، رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استغل خطاب الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع لتجديد تهديده لإيران بـ"الإبادة" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. وكان ترامب قد قال أمام الأمم المتحدة إنه أمام خيارين: التوصل إلى اتفاق أو "إبادة الجمهورية الإسلامية". ووفق التقرير، رفضت واشنطن في وقت سابق من أيلول الانضمام إلى حليفتها السعودية في ضرب الحوثيين في اليمن، واختارت بدلًا من ذلك إجراء محادثات من خلف ظهر الرياض لضمان سلامة السفن الأميركية. ويتمثل مؤشر آخر، بحسب "الإيكونوميست"، في التوقعات بخفض كبير للوجود العسكري الأميركي في المنطقة، والذي يتراوح في أوقات السلم بين 30 و40 ألف جندي موزعين على 19 قاعدة. وترى المجلة أن الحرب الحالية أظهرت مدى تعرض القوات الأميركية لخطر الطائرات المسيّرة والصواريخ المنخفضة الكلفة، ما دفع خبراء عسكريين إلى الدعوة لتركيز القوات في عدد أقل من المواقع، من بينها إسرائيل والأردن. ويتقاطع هذا التوجه مع إعادة ترتيب أولويات إدارة ترامب، التي تركز بصورة متزايدة على الأميركيتين وعلى المنافسة المتصاعدة مع الصين، وهو ما ظهر، بحسب التقرير، أيضًا في قمة ترامب الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. ورغم أن الصين تُعد أكبر مشترٍ للنفط من دول الخليج، فإن "الإيكونوميست" ترى أنها لا ترغب في الحلول محل واشنطن والتحول إلى القوة المهيمنة الجديدة في المنطقة. وبدلًا من انتقال الهيمنة من قوة عالمية إلى أخرى، تحدد المجلة 3 قوى إقليمية قد تتنافس على ملء الفراغ الأميركي، والمفارقة، بحسبها، أن أياً منها ليست دولة عربية. القوة الأولى هي إيران، التي ترى المجلة أنها ستسعى إلى إعادة بناء الجماعات المسلحة الحليفة لها في الشرق الأوسط، إلى جانب محاولة ترسيخ قدرتها على التحكم بمضيق هرمز. أما القوة الثانية فهي تركيا، التي تبني بهدوء علاقات أكثر قربًا مع الدول العربية، وتتحرك، وفق "الإيكونوميست"، انطلاقًا من حسابات براغماتية واقتصادية. وتأتي إسرائيل بوصفها القوة الإقليمية الثالثة. وتقول المجلة إنه منذ أحداث 7 تشرين الأول 2023، باتت إسرائيل تنظر إلى نفسها باعتبارها أشبه بـ"إسبرطة حديثة"، وتسعى إلى تدمير أي قدرة تعتبر أنها قد تشكل تهديدًا لوجودها. لكن أكبر الخاسرين من تراجع الهيمنة الأميركية، وفق تحليل "الإيكونوميست"، قد تكون الدول العربية نفسها. فدول الخليج، التي تبنت خلال السنوات الماضية نموذجًا قائمًا على الازدهار الاقتصادي ومشاريع التنمية المتسارعة، تعتمد في الوقت نفسه بصورة كبيرة على المظلة الأمنية والدعم اللذين وفرتهما الولايات المتحدة لعقود. وبذلك، لا ترى "الإيكونوميست" أن الانكفاء الأميركي يعني اختفاء الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل نهاية مرحلة كانت فيها واشنطن القوة التي تسعى إلى هندسة التوازنات الإقليمية بنفسها. أما المرحلة التالية، فقد تضع الشرق الأوسط أمام نظام أكثر تعقيدًا، تتنافس فيه إيران وتركيا وإسرائيل على النفوذ، فيما تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة أمنية جديدة أقل اعتمادًا على المظلة الأميركية وأكثر ارتباطًا بموازين القوى التي ستتشكل من داخل المنطقة نفسها.