رغم مرور نحو 180 عاماً على إدخال التخدير العام إلى العمليات الجراحية، لا يزال العلماء لا يفهمون بالكامل كيف تُؤدّي هذه الأدوية إلى فقدان الوعي. يُستخدم اليوم في أكثر من 350 مليون عملية جراحية سنوياً حول العالم، فيما تُشير الأبحاث إلى أنَّ تأثيره يرتبط بصورة أساسية بتغيير طريقة تواصل الخلايا العصبية ومناطق الدماغ بعضها ببعض. تُظهر فحوص الرنين المغناطيسي انخفاضاً واسعاً في نشاط الدماغ أثناء التخدير، كما يولي الباحثون اهتماماً خاصاً للمهاد وهو بنية عميقة في الدماغ تُؤدّي دوراً مهماً في تنظيم اليقظة، النوم ونقل المعلومات بين مناطق دماغية مختلفة. التخدير العام يكشف أسرار الوعي (Pexels) تُشير بعض الدراسات إلى أنَّ نشاط المهاد يتراجع مبكراً تحت تأثير التخدير، كما أظهرت تجارب على الحيوانات أنَّ تحفيز مناطق محدّدة منه يُمكن أن يُعيد حالة اليقظة. لكن ذلك لا يعني أنَّ المهاد هو مركز الوعي بصورة حاسمة، إذ تُفيد أبحاث أخرى بأدوار مهمّة للقشرة الدماغية، لا سيّما المناطق الجبهية والجدارية، ما يدعم احتمال أن يكون الوعي نتيجة تفاعل شبكة واسعة من المناطق لا وظيفة منطقة منفردة. تزداد الصورة تعقيداً مع ظاهرة الوعي العرضي أثناء التخدير، إذ يتذكّر بعض المرضى بعد الجراحة أجزاء من العملية وإن كانت هذه الحالات نادرة جدّاً. في تجارب أجراها اختصاصي التخدير جايديب باندِت، تمكّن بعض الذين تلقّوا مخدّراً ومرخياً للعضلات من الاستجابة لأوامر بسيطة عبر الضغط على يد الباحث، رغم عدم ظهور مؤشّرات تقليدية على اليقظة أو الألم. وطرح احتمال وجود حالة ثالثة من الوعي تقع بين اليقظة وفقدانه الكامل، إلّا أنَّ هذه الفكرة لا تزال موضع بحث وليست حقيقة علمية محسومة. تُشير أبحاث أخرى إلى أنَّ التخدير يُقلّل الاتّصال الوظيفي بين مناطق الدماغ البعيدة، أيّ قدرتها على تنسيق نشاطها. ويرى بعض العلماء أنَّ هذه النتيجة قد تُساعد في فهم الوعي باعتباره ظاهرة ناشئة عن التواصل بين شبكات دماغية متعدّدة. قد لا يكون التخدير مجرّد وسيلة لإغراق المريض في نوم اصطناعي بل أداة علمية تُتيح للباحثين دراسة ما يحدث عندما تتفكّك الآليات التي تدعم التجربة الواعية. يبقى فهم طبيعة الوعي وكيفيّة نشوء التجربة الذاتية من نشاط الدماغ واحداً من أكثر الأسئلة تعقيداً في علوم الأعصاب.