بعد عقود من المطالبة بإصلاح مجلس الأمن، قررت أفريقيا رفع سقف خطابها من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة: 54 دولة من أصل 193 عضوًا في المنظمة، ونحو 1.6 مليار نسمة، لكن من دون أي مقعد دائم أو حق نقض في الهيئة التي تتخذ أخطر القرارات المتعلقة بالحرب والسلام. ومن نيويورك، أعاد قادة القارة طرح مطلبهم بوضوح: مقعدان دائمان على الأقل وتمثيل يعكس وزن أفريقيا في عالم لم يعد يشبه عالم عام 1945. وبحسب تقرير نشره موقع "ynet" الإسرائيلي بالاستناد إلى وكالات الأنباء، استغل قادة أفارقة مشاركتهم في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال اليومين الماضيين للمطالبة بإصلاح مجلس الأمن، أقوى هيئات المنظمة الدولية، بما يضمن منح دول القارة مقاعد دائمة داخل أعلى آلية لاتخاذ القرار في الأمم المتحدة. وتطالب الدول الأفريقية بمقعدين دائمين على الأقل، على أن يشملا حق النقض إذا بقي هذا الحق ممنوحًا للدول الدائمة العضوية الأخرى، وهو الموقف الذي يتوافق مع الموقف الأفريقي المشترك بشأن إصلاح المجلس. ويتألف مجلس الأمن حاليًا من 15 دولة، بينها 5 دول دائمة العضوية هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، وتتمتع جميعها بحق النقض، ما يسمح لأي منها بإسقاط قرار حتى إذا أيده بقية أعضاء المجلس. أما المقاعد الـ10 الأخرى فتُشغل بالتناوب لمدة عامين وتنتخبها الجمعية العامة، وتحصل أفريقيا على 3 منها، لكنها تبقى مقاعد غير دائمة ومن دون حق النقض. ويرى عدد كبير من القادة الأفارقة أن استمرار هذا التفاوت، في ظل الحروب والأزمات التي يواجهها النظام الدولي، يجعل إصلاح تركيبة مجلس الأمن أكثر إلحاحًا، كما يطرح تساؤلات بشأن صدقية الأمم المتحدة ومدى التزامها بالمساواة والتعددية التي تعلنها. وقال الرئيس الكيني وليام روتو أمام الجمعية العامة: "كل دولة ذات سيادة ومتساوية وفق ميثاق الأمم المتحدة، ومع ذلك، في أخطر مسائل الحرب والسلام، تمتلك 5 دول سلطة دائمة لا تمتلكها الدول الـ188 الأخرى". وأضاف: "المساواة المعلنة في هذه الجمعية تنتهي عند أبواب مجلس الأمن". بدوره، طرح الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي سؤالًا مباشرًا أمام المجتمع الدولي قائلًا: "كيف يمكن لعالم تحكمه ضمائر سليمة أن يبرر حرمان 1.6 مليار أفريقي من حقهم في التمثيل المتساوي؟". أما رئيس ليبيريا جوزف نيوما بواكاي، فقال إن "الظلم التاريخي لم يعد قابلًا للاستمرار"، مضيفًا أن "تصحيح الخلل ليس معروفًا يُقدَّم لأفريقيا"، بل خطوة ضرورية "لاستعادة الثقة بالأمم المتحدة وصدقيتها وشرعيتها". ولا ينحصر الجدل الأفريقي بملفات الحرب والسلام، إذ بات مستقبل الذكاء الاصطناعي واحدًا من الملفات التي يستند إليها قادة القارة للمطالبة بدور أكبر في صناعة القرار الدولي. ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى محور أساسي في أعمال الجمعية العامة، شدد عدد من القادة الأفارقة على ضرورة إشراك الدول النامية في القرارات المتعلقة بالتطور المتسارع لهذه التكنولوجيا، بالنظر إلى تأثيراتها المتوقعة على اقتصادات القارة ومجتمعاتها. وكان رئيس بوتسوانا دوما بوكو من بين الذين دعوا إلى إشراك أفريقيا في هذه النقاشات، رابطًا المسألة أيضًا بالمعادن الحيوية والعناصر النادرة ومصادر الطاقة التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية الحديثة. وتملك الدول الأفريقية جزءًا أساسيًا من المواد الخام التي تدخل في هذه الصناعات، إذ تؤمّن جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها أكثر من 70% من الإنتاج العالمي للكوبالت، وهو عنصر أساسي في البطاريات والسيارات الكهربائية وخوادم البيانات. كما تحتوي القارة على احتياطات مهمة من الليثيوم والبلاتين والتنتالوم، المعروف أيضًا باسم "الكولتان"، وهي مواد تدخل بصورة أساسية في صناعة البطاريات والإلكترونيات ومراكز البيانات. وبذلك، أصبحت المواد الخام الأفريقية حلقة رئيسية في سلاسل الإمداد المرتبطة بثورة الذكاء الاصطناعي، في وقت يبقى تأثير القارة محدودًا على القواعد التي تنظّم هذا القطاع وطريقة تطوره. وقال بوكو أمام الجمعية العامة إن "الدول النامية يجب أن تمتلك صوتًا مؤثرًا في وضع المعايير وآليات الحماية التي ستحكم هذه التقنيات، لضمان توسيعها للفرص ودعمها للعمل اللائق وتعزيزها للخدمات العامة، مع حماية كرامة الإنسان وحقوقه وأمنه". ويتمسك معظم القادة الأفارقة بالمطالب الأساسية التي حددها الموقف المشترك للاتحاد الأفريقي عام 2005، وفي مقدمتها منح أفريقيا مقعدين دائمين على الأقل في مجلس الأمن مع جميع امتيازات العضوية الدائمة، بما فيها حق النقض إذا بقي معمولًا به، إلى جانب زيادة تمثيلها في المقاعد غير الدائمة. وفي عام 2024، أعلنت الولايات المتحدة دعمها لإضافة مقعدين دائمين جديدين مخصصين لأفريقيا، لكن من دون منحهما حق النقض. وجاء الموقف آنذاك خلال إدارة الرئيس ا