تشهد العلاقات اللبنانية‑السورية عودة تدريجية لإعادة ضبط مسارها الاقتصادي على أسس أكثر توازناً، كان أحدث محطاتها انعقاد "المنتدى الاستثماري السوري‑اللبناني الأول" في بيروت، في 23 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة أكثر من 300 شخصية اقتصادية من البلدين. هذا المنتدى أعاد إلى الواجهة ملفات إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة والسياحة والنقل والوصول إلى الأسواق الإقليمية. ولا تمثل هذه الملفات مسارات منفصلة؛ إذ تعتمد كلفة التجارة والاستثمار بين البلدين على كفاءة المعابر وأمنها إلى جانب شبكات النقل والطاقة والمرافئ. فالأراضي السورية تشكل بوابة الصادرات اللبنانية البرية إلى الأردن والخليج، فيما تمنح المرافئ اللبنانية التجارة السورية منفذاً إضافياً إلى البحر المتوسط. ويأتي المسار الحالي بعد عقود أضعفت خلالها الحروب واختلال النفوذ السياسي انتظام العلاقات الاقتصادية، إذ عاش لبنان حرباً أهلية بين 1975 و1990، فيما امتد الوجود العسكري والنفوذ السوري فيه من 1976 حتى أبريل (نيسان) 2005، وهي مرحلة انعكست على إدارة الاتفاقيات وحركة التجارة والحدود. وكانت دمشق أبلغت لأمم المتحدة بإتمام سحب قواتها وأصولها العسكرية وأجهزتها الاستخباراتية من لبنان في 26 أبريل 2005. وبعد خروج القوات السورية، واجه لبنان جولات متعاقبة من الحروب مع إسرائيل، ثم أزمة اقتصادية ومالية أضعفت بنيته الإنتاجية واللوجستية. وفي المقابل، دخلت سوريا منذ 2011 حرباً مدمرة استمرت قرابة 14 عاماً، وألحقت أضراراً واسعة باقتصادها وبنيتها التحتية وشبكات النقل. وبدأت خطوات إعادة التنظيم العلاقة الاقتصادية بين البلدين، في 15 مارس (آذار) 2026، عندما شكلت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مجلس الأعمال السوري‑اللبناني الممثل للجانب السوري، برئاسة ليلى السمان، نائبة رئيس غرفة تجارة دمشق. وفي المقابل، يعمل مجلس الأعمال اللبناني‑السوري برئاسة رجل الأعمال اللبناني خليل العرب. وفي يوليو (تموز)، وقّع البلدان اتفاقية إنشاء اللجنة العليا السورية‑اللبنانية لتنسيق عمل الوزارات وتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، إلى جانب الطاقة والنقل وحركة البضائع. وبالتوازي، عقد مجلسا الأعمال، في الشهر نفسه، اجتماعاً في مقر غرفة بيروت وجبل لبنان، واتفقا على متابعة الفرص الاستثمارية ومعالجة العقبات أمام حركة الأعمال وتعزيز التواصل بين رجال الأعمال في البلدين. وانتقل هذا المسار في أغسطس (آب) إلى المعابر، عندما ناقش الجانبان تبسيط العبور عبر المنافذ الشرعية وتبادل المعلومات ومكافحة التهريب ورفع كفاءة النقل البري. مرحلة "نظامين يتعرفان إلى بعضهما" وتصف الكاتبة والباحثة الاقتصادية والمالية محاسن مرسل المرحلة الحالية بأنها مرحلة "نظامين يتعرفان إلى بعضهما"، موضحة أن زيارة الوفد السوري إلى لبنان ركزت على إعادة النظر في الاتفاقيات السابقة وتأسيس العلاقات ضمن إطار جديد. وترى الخبيرة اللبنانية أن اللجنة المشتركة تضع الأساس الأول لمسار يُفترض أن يُترجم لاحقاً إلى اتفاقيات ثنائية تنظم التبادل والاستثمارات بين رجال الأعمال، ضمن "علاقة متكافئة بين الدولتين". لكن إنشاء المجالس واللجان لا يلغي العقبات التشغيلية. ويقول رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان إن صعوبة السفر والتنقل لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه رجال الأعمال السوريين في التعامل مع السوق اللبنانية، لافتا إلى أن معالجة هذا الملف تتطلب اعتماد "مبدأ المعاملة بالمثل". وبينما يقر بمنح تسهيلات لمن لديهم اجتماعات أو مشاركات في فعاليات تجارية وصناعية، ما يمثل تحسناً مقارنة بالسابق، يستدرك ديروان أن المشكلة تبقى قائمة "عندما تحتاج شركة سورية إلى إرسال موظف لمتابعة أعمالها في لبنان، إذا لم يكن عضواً في جهة اقتصادية أو مشاركاً مباشراً في إحدى الفعاليات". وتظهر الحاجة إلى مراجعة الاتفاقيات في أرقام التجارة، إذ بلغت المبادلات الرسمية بين البلدين نحو 235 مليون دولار في 2024، منها 101.35 مليون دولار صادرات لبنانية إلى سوريا و 133.69 مليون دولار مستوردات منها، وفق بيانات لبنان في قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية "UN Comtrade". تواضع الأرقام يأتي رغم اتفاق التعاون الاقتصادي ومنطقة التجارة الحرة لعام 1993، وبرنامج خفض الرسوم الصناعية الذي بدأ في 1998، والإعفاءات المقررة ضمن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. غير أن الإعفاءات الجمركية لا تزيل جميع العوائق أمام التجارة. ويضع ديروان توحيد المواصفات بين البلدين ضمن الأولويات العملية، ولا سيما للسلع والمواد الغذائية المصدّرة إلى لبنان. ويوضح أن اختلاف متطلبات الفحوص والاختبارات الفنية يبطئ دخول المنتجات ويرفع كلفتها، داعياً إلى اعتماد آلية للاعتراف المتبادل بنتائج الفحوص والشهادات، بما يسرّع انتقال