بدأت حكاية مهرجان الجاز في الرباط عام 1996 بين أسوار قصبة الأوداية، حين اجتمع موسيقيون من أوروبا والمغرب على مسرح واحد، ليجعلوا من الموسيقى لغةً للحوار. وعلى مدى ثلاثة عقود، انتقلت مسيرة المهرجان بين ثلاثة أمكنة، ليصبح جزءاً من ذاكرة الرباط، عاصمة المغرب. هذه هي حكاية مهرجان الجاز في الرباط، من الأوداية إلى شالة، وصولاً إلى فضاء جديد. في مكان يعود تاريخه إلى قرون، بدأ في 1996 حدث قائم على الجاز واللقاء بين الثقافات، وسيصبح لاحقاً، مع مرور السنوات، أحد مواعيد الجاز البارزة في الرباط. من قلب قصبة الأوداية، أحد أبرز المعالم التاريخية في الرباط، وُلد «Jazz aux Oudayas» (الجاز بالأوداية)، ليجمع بين موسيقيي الجاز الأوروبيين والمغاربة، في تجربة أرادت أن تجعل من الموسيقى مساحة للحوار بين الثقافات. جاء إطلاق المهرجان عام 1996 بمبادرة من وفد المفوضية الأوروبية بالمغرب، بشراكة مع وزارة الثقافة وولاية الرباط. ، أما جذور فكرته فتعود إلى إعلان برشلونة (1995) الذي أراد أن يكون للتعاون بين ضفتي المتوسط بعد اجتماعي وثقافي، يقوم على تبادل ثقافي عبر الأنشطة الفنية. وكان سفير الوفد آنذاك، وهو صديق للموسيقي مجيد بقاس (واحد من أشهر معلمي موسيقى كناوة في المغرب والعالم وروّاد المزج بين كناوة والجاز منذ ثمانينيات القرن الماضي) يرغب في أن يعكس الجاز شكلاً من الحوار بين المغرب وفرنسا. ولّى بقاس الجانب الفني منذ بداياته. وكانت الانطلاقة من قاعة في متحف الأوداية، داخل القصبة القريبة من المدينة العتيقة، قبل أن يتوسع المهرجان تدريجياً مع نمو جمهوره إلى باحة المتحف، ثم إلى ساحة الأوداية، وظل هناك حتى عام 2005. مجيد بقاس، موسيقي والمدير الفني للمهرجان منذ بداياته ولم تكن الأوداية مجرد موقع لاستضافة الحفلات. فالقصبة، التي تشكل إحدى النوى التاريخية للرباط، تحمل طبقات متعاقبة من تاريخ المدينة، من الحقبة الموحدية إلى استقرار المهاجرين الأندلسيين فيها خلال القرن السابع عشر. وفي القرن التاسع عشر نُقلت قبيلة الأوداية من فاس واستقر جزء منها في القصبة، وهي قبيلة عربية من قبائل الكيش (الجيش)، فارتبط اسمها بالمكان وصار يُعرف بقصبة الأوداية. وهي اليوم قصبة محصنة تطل على مصب أبي رقراق والمحيط الأطلسي، وفي الوقت نفسه حي سكني تحتفظ بيوته بطابعها العربي الأندلسي بألوانها البيضاء والزرقاء وأزقتها الضيقة، وأحد أشهر المواقع السياحية في الرباط. ولا تحمل القصبة تصنيفاً مستقلاً لدى اليونسكو، بل تدخل ضمن ملف "الرباط، عاصمة حديثة ومدينة تاريخية: تراث مشترك" المدرج على لائحة التراث العالمي عام 2012، وهو الملف الذي يضم أيضاً موقع شالة الأثري. قصبة الأوداية بالعاصمة الرباط شالة: الموسيقى في رحاب التاريخ في 2005، في دورته العاشرة، انتقل المهرجان إلى موقع شالة التاريخي، في دورة من الطراز الرفيع، شهدت نقلة نوعية في تنظيم هذا الحدث الذي يحتفي بالحوار والتمازج الثقافي بين ضفتي المتوسط. تقع شالة في الرباط، على الضفة اليسرى لنهر أبي رقراق، وتختصر طبقات متعاقبة من تاريخ المنطقة، فقد احتضن الموقع مدينة رومانية قديمة، التي كانت تُعرف في الأصل باسم "سالا كولونيا"، والتي تَحَوّل جزء منها إلى مقبرة ملكية في العصر المريني. كلها مراحل لا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. لم يكن الانتقال إلى شالة مخططاً له؛ لكن الحاجة إلى فضاء أوسع كانت قائمة، فمتحف الأوداية كان يتسع لنحو 400 شخص، بينما أتاحت شالة استقبال نحو 1600. وبعد نجاح التجربة، استقر المهرجان في الموقع التاريخي لسنوات. ومع اتساع المكان، اتسع جمهور المهرجان بدوره. ففي بدايات "الجاز بالأوداية" عام 1996، كان نحو 80% من الحضور من أفراد السلك الدبلوماسي، بحسب المدير الفني مجيد بقاس. ومع انتقال المهرجان إلى شالة، بدأ يستقطب جمهوراً من العاصمة الرباط ومدن مغربية أخرى، ينتقل خصيصاً لحضور حفلات الجاز بشالة. ولم يتغير الجمهور فحسب، بل تطورت أيضاً اللقاءات بين موسيقيي الجاز الأوروبيين والفنانين المغاربة، لتثمر مشاريع موسيقية مشتركة وجولات وألبومات، وأصبحت التحضيرات لهذه اللقاءات أكثر عمقاً، من خلال تبادل النوتات والتسجيلات وإجراء البروفات قبل الصعود إلى المسرح. في شالة، لم تعد الموسيقى تُقدَّم أمام التاريخ فحسب، بل أصبحت جزءاً من تجربة المكان نفسه؛ حيث التقت أصوات الجاز بآثار مدينة تعاقبت عليها حضارات وثقافات مختلفة، وتحولت شالة تدريجياً من مجرد موقع لاستضافة المهرجان إلى جزء من هويته وذاكرته. بعد نحو عقدين من ارتباطه بشالة، دخل المهرجان في مرحلة جديدة، مع دورته السابعة والعشرين، التي غادر فيها موقع شالة ليستقر في مسرح منتزه الحسن الثاني وسط العاصمة، بالتزامن مع تغيير اسمه من «Jazz au Chellah» إلى «Jazz à Rabat». وجاء الانتقال بعدما أصبحت طاقة