منذ أن بدأ ما سُمّي بوقف إطلاق النار في لبنان، عدتُ إلى صور. بقيت أياماً أُطالب الأرض تحت قدمي بإثبات: هل عدتُ حقاً أم أنّ الحرب علّمتني أن أرتاب حتى بعودتي؟ كنتُ نازحةً إلى بحرٍ آخر، ساحليٍّ وغير جنوبيّ، وهذه، في حدّ ذاتها، قصة أخرى؛ لأنّ البحر في الجنوب ليس كأيّ بحر في أي مكان آخر، أو لعلّ الجنوب هو الذي يجعل البحر بحراً آخر. منذ عودتي، أشعر بدهشة اللقاء الأول كلما رأيت البحر. كأنني أرى حبيباً عاد من اغتراب طويل، فلا أعرف: أعانقه أم أتعرّف إليه من جديد؟ كل ما أعرفه أنني لا أستطيع مقاومة الغرق فيه، ولا مقاومة عطشي إليه. لا نحبّ الجنوب بوصفه جغرافيا، بل نحمله كعضوٍ من أعضاء الجسد، لا نشعر بوجوده إلا حين يُهدَّد أو يُصاب في جلستي الأخيرة أمام البحر، كنت أحاول، كعادتي، أن أتعرف إليه من جديد، وأن أترك تعب الأسبوع ينسحب من رأسي. لكن التفكير سبقني، فجاءني سؤال ربما يحتاج إلى سنوات للإجابة عنه: لماذا أحبّ البحر؟ ثمّ جاء السؤال الأصعب: لماذا أحبّ الجنوب؟ ولماذا أشعر أنني مضطرة إلى الفصل بين السؤالين أصلاً؟ هل أحبّ الجنوب لأنّه على البحر؟ أم أحبّ البحر لأنّ الجنوب علّمني أن أراه بهذه الطريقة؟ وهل كان سيتغيّر شيء في علاقتي بالجنوب لو كان جبلاً، أو لو لم يكن لبنان بلداً ساحلياً أصلاً؟ لكنّ يقيناً واحداً لا يتزعزع تحت وطأة كل هذه الأسئلة: نحن لا نحبّ الجنوب بوصفه جغرافيا، بل نحمله كعضوٍ من أعضاء الجسد، لا نشعر بوجوده إلا حين يُهدَّد أو يُصاب. غير أنّ هذا الحمل الثقيل لا يجعل من الجنوب سجناً. على العكس تماماً: الجنوب هو الجرح الوحيد الذي كلما اتّسع ازداد التئاماً. ولهذا يبدو لي أنّ إغلاقه يناقض طبيعته. الجنوب مفتوح. مفتوح على البحر، وعلى السماء، وعلى القرى، وعلى العالم كله. ربما لهذا أشعر، كلما جلست أمامه، أنّ شيئاً في داخلي يتحرّر ويتّسع. فالإنسان الذي يقضي يومه داخل الغرف، والشاشات، والنوافذ الصغيرة، وفي الكهوف الرقمية التي لا تنتهي، يحتاج أحياناً إلى مكان لا يطلب منه شيئاً سوى أن ينظر. أمام البحر، لا يعود القلب مضطراً إلى الانكماش. والجنوب يشبه ذلك. ليس الاتساع أن يكون المكان كبيراً فحسب. الاتساع أن تشعر أنّ لديك مكاناً يتّسع لكل ما فيك: لخوفك وحبك، وخسارتك ورغبتك في الحياة، وللموت الذي رأيته، وللحياة التي تصرّ على أن تكمل طريقها. الجنوب دنيا، لكنها دنيا مفتوحة على كل الدنيا. حين كانت الحرب في أوجها، كنا نسأل: إلى ماذا سنعود؟ إلى الركام؟ إلى البيوت التي لم تعد بيوتاً؟ إلى الأماكن التي صارت صوراً في نشرات الأخبار؟ ثمّ عدنا. وكانت المفاجأة أنّ الجنوب، برغم كل ما أصابه، لم يفقد قدرته على أن يكون جميلاً. هناك فهمت شيئاً لم أفهمه في أثناء الحرب: أنّ الحياة والموت ليسا دائماً طرفين متباعدين. أحياناً، يعيشان متجاورين إلى الحد الذي يعجز معه المرء عن معرفة أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر. ترى أهل صور يسبحون في البحر، والغارات تشعل خلفهم المنصوري. ترى الحياة تمارس عادتها القديمة، فيما الموت يحاول أن يفرض نفسه عليها. وكأن الجنوب لا يختار بين النقيضين؛ يتركهما معاً، في المشهد نفسه، وفي اللحظة نفسها. ولعلّ هذه واحدة من أسرار اتساعه: المكان لا يكون واسعاً لأنه خالٍ، بل لأنه يستطيع أن يحتمل الامتلاء. أتذكر هنا الآية: "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". لطالما استُحضرت في الحديث عن اتساع الكون، لكن ما يستوقفني فيها ليس التفسير العلمي، بل معنى السعة نفسه. في بعض التفاسير، تحمل "لموسعون" معنى القدرة والوسع، وفي أخرى معنى اتساع الأرجاء. والمعاني، على اختلافها، تلتقي عند شيء يشبه ما أراه في الجنوب: السعة ليست مجرد مساحة أكبر، بل قدرة على ألا تضيق بما فيها. الجنوب ليس واسعاً لأنه يمتد حتى البحر فقط. إنه واسع لأنه احتمل. احتمل الركام والغياب، الحرب والعودة، الخوف والسباحة، الجنازة والضحكة التي تأتي بعدها، والناس الذين يعودون إليه وهم لا يعرفون إن كانوا يعودون إلى مكانهم أم إلى أنفسهم. حين يُقصف الجنوب، لا ينبغي أن يبقى الجنوب وحده مع حكايته. عليه أن يُرى، وأن يُسمع، وأن تصل قصته إلى أبعد من حدوده ولهذا ربما كان الجنوب مفتوحاً على البحر.لأنّ البحر لا يغلق القصة؛ بل يأخذها إلى مكان آخر. وعليه أن يأخذها. حين يُقصف الجنوب، لا ينبغي أن يبقى الجنوب وحده مع حكايته. عليه أن يُرى، وأن يُسمع، وأن تصل قصته إلى أبعد من حدوده. ولهذا يبدو البحر منفذاً؛ فهو نافذة بلا جدار، وامتداد يجعل ما يحدث على هذه الأرض قادراً على العبور إلى العالم. وفي الجنوب، تظلّ الحياة والموت في المشهد نفسه. الجنوب مفتوح حتى لا نختنق بهذه الأضداد. فالحياة لا تنتصر دائماً لأنها تمنع الموت من الوصول إليها؛ أحياناً تنتصر لأنها تواصل الحياة برغم وصوله.