توالت خلال الأسابيع الأخيرة في سوريا انفجارات تطاول مواقع لتخزين الأسلحة والذخائر، بوتيرة وتوزع جغرافي يتجاوزان حدود الحوادث الأمنية المتفرقة والمفردة، خصوصاً بعدما شهدت محافظة إدلب، في الأول من أيلول/ سبتمبر، انفجار مركبة محملة بالذخائر في مدينة بنش، أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، ثم شهدت المنطقة نفسها، في التاسع من الشهر ذاته، انفجاراً ضخماً داخل مستودع مؤقت للأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا، أدى إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة 11 آخرين، قبل أن يصل مسلسل الانفجارات إلى موقع عسكري في دير الزور، في 18 أيلول/ سبتمبر، حيث أعلنت السلطات السورية مقتل 11 من عناصرها في انفجار قالت إنها تحقق في أسبابه، ثم إلى الضمير في ريف دمشق، وأخيراً إلى منطقة الهضبة في ريف حلب الجنوبي. ترتبط هذه الوقائع بالخريطة الجديدة للسلاح داخل البلاد، وبالتحول الذي تعيشه المؤسسة العسكرية منذ سقوط بشار الأسد، وبعملية شديدة التعقيد لإعادة جمع الأسلحة المنتشرة بين مخازن الفصائل السابقة، ومستودعات النظام السابق، ومخازن المجموعات المحلية، وشبكات تجارة السلاح والتهريب، وصولاً إلى الأسلحة التي بدأت تدخل ضمن عملية بناء الجيش السوري الجديد، وهي عملية تتطلب بطبيعتها مواقع تخزين جديدة، ومسارات نقل جديدة، وآليات حماية جديدة، وتنتج، بالتالي، خريطة عسكرية مختلفة عن تلك التي عرفتها سوريا خلال سنوات الحرب. يهمنا هذا التحول في قراءة الانفجارات الأخيرة، إلى جانب ما تنشره الصحافة الإسرائيلية عن الجيش السوري الجديد، إذ تحدثت "جيروزاليم بوست" عن قلق متزايد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من عملية إعادة بناء الجيش السوري، حيث نقلت عن مسؤول دفاعي إسرائيلي أن قوات أحمد الشرع لا تزال في مستوى محدود من الجاهزية العملياتية، مع تنفيذها تدريبات على مستوى الألوية، بينما تتجه دمشق إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية ضمن مرحلة جديدة من عمر الدولة السورية. يتحول المخزن من مساحة لتكديس الذخيرة إلى عقدة أساسية في مشروع بناء الجيش، تبدأ بوصول السلاح ونقله وتخزينه وتصنيفه وحمايته، وتنتهي بتوزيعه وإدخاله في بنية عسكرية مركزية للدولة الجديدة. وبالتالي، يمكن تقسيم هذه المخازن إلى طبقات متعددة، تحمل كل واحدة منها تاريخاً مختلفاً ومساراً أمنياً مختلفاً؛ فتظهر أولاً المخازن التي ارتبطت بجسم "هيئة تحرير الشام" والفصائل التي كانت تعمل في الشمال السوري خلال مرحلة ما قبل "ردع العدوان"، وتشكلت داخل بيئة عسكرية امتدت سنوات طويلة، وتوزعت فيها الأسلحة بين جبهات القتال ومراكز الإمداد والمواقع العسكرية، ثم دخلت، بعد سقوط النظام، في عملية إعادة ترتيب واسعة رافقت انتقال الفصائل إلى مؤسسات الدولة ووزارة الدفاع. وتظهر إلى جانبها مخازن الفصائل المحلية وتجار السلاح وشبكات التهريب التي نشأت حول اقتصاد الحرب والفصائل، حيث تحولت الأسلحة والذخائر، خلال السنوات الماضية، إلى سلعة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، وتشكّلت حولها مسارات للبيع والشراء والنقل بين مناطق السيطرة، ثم بقي جزء من هذه الشبكات حاضراً بعد سقوط النظام، بحكم امتلاكها مخزوناً من السلاح وخبرة طويلة في إخفائه ونقله وتدويره داخل السوق المحلية وعبر الحدود. وتظهر طبقة ثالثة أكثر ارتباطاً بإرث النظام السابق، وتضم مخازن الجيش والأجهزة الأمنية والميليشيات والقوى المحلية التي عملت خلال سنوات الأسد، وهي الطبقة التي تحتاج عملية كشفها إلى جهد استخباراتي وأمني واسع، لأن معرفة موقع المخزن القديم وحدها لا تكفي لتحديد وضعه الحالي، وإنما تحتاج الدولة إلى معرفة من كان يديره، ومن يعرف محتوياته، وكيف انتقلت الذخائر منه بعد سقوط النظام، وأين انتهت، وما الذي دخل منها إلى مؤسسات الدولة، وما الذي انتقل إلى السوق، وما الذي بقي مخزناً في مواقع مجهولة. الأهم الآن هو الطبقة الجديدة التي نشأت فوق هذه الطبقات، والتي بدأت تتشكل مع عملية بناء الجيش السوري الجديد، عبر منظومة تسليح نظامية ودعم خارجي وتصنيع محلي، وهي الأكثر أهمية في قراءة الانفجارات الحالية، لأنها تمثل انتقال السلاح من كونه إرثاً للحرب إلى كونه جزءاً من عملية بناء مؤسسة عسكرية مركزية. تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع المسار العسكري التركي-السوري، إذ وقعت أنقرة ودمشق، في آب/ أغسطس 2025، اتفاق تعاون عسكري تضمن التدريب والتجهيزات والمعدات العسكرية واللوجستية، بينما تطور التعاون لاحقاً إلى مستويات مرتبطة بالتدريب والتمارين العسكرية وإعادة بناء القوات السورية. هذا النموذج مهم باعتباره أحد عناصر التحول في البيئة العسكرية السورية، خصوصاً مع تنامي الدور التركي في تدريب وتجهيز القوات التابعة لوزارة الدفاع السورية، وبالتالي تعاظم فرص الاحتكاك بين أنقرة وتل أبيب في سوريا. ويتعلق الأمر، بالتالي، بترسانة جديدة تدخل البلاد ضمن عملية بناء الجيش، وتحتاج إلى