ليس الجنوب اللبناني مجرّد مساحة جغرافية على تخوم الوطن، ولا مجرّد خط حدودي تتقاطع عنده الجيوش والصّراعات. إنّه جزء من الذّاكرة اللبنانية، ومرآة لتاريخ طويل من الاحتلال والمقاومة والحرمان والهجرة والحروب، كما أنّه يكشف، بصورة واضحة، مقدار الحاجة إلى دولة تحمي أرضها وتحتضن مواطنيها.ومن هنا تبدو العودة إلى فكر الإمام موسى الصدر أكثر من استعادة لتجربة تاريخيّة، إنّها محاولة لإعادة طرح السّؤال الأساسي: كيف نحمي الجنوب من الاحتلال، من دون أن يبقى الجنوب أسيراً للحرب؟ وكيف نجعل المقاومة عنصر قوّة للدّولة، لا عنواناً دائماً للانقسام حولها؟كان الإمام الصدر ينظر إلى الجنوب من زاويتين متلازمتين: الإنسان الذي يعيش فيه، والأرض التي تتعرض للاعتداء. فالحرمان بالنسبة إليه لم يكن مسألة اجتماعية منفصلة عن الأمن الوطني. عندما تغيب الدولة عن قرية أو منطقة، لا يغيب عنها الإنماء فقط، بل تتراجع أيضاً قدرة الوطن على حماية أبنائه وتعزيز ارتباطهم به، ولهذا لم يكن مشروع الإمام الصدر للجنوب مشروعاً عسكرياً فقط. كان مشروعاً للمدرسة والمستشفى والطّريق والعمل والإنماء والكرامة، بالتوازي مع مواجهة الاحتلال والدفاع عن الأرض.وهنا تكمن أهمية رؤيته. ففي خطاب الإمام الصدر، لم تكن مواجهة إسرائيل دعوة إلى حرب مفتوحة بلا أفق، بل كانت مرتبطة بحقّ لبنان في الدّفاع عن أرضه وكرامة أبنائه، وفي الوقت نفسه، لم يكن يرى أنّ مقاومة الاحتلال تعني إلغاء الدّولة أو إضعاف مؤسساتها، وهذه النقطة تستحقّ أن تُقرأ اليوم بهدوء، بعيداً من الاصطفافات السياسية.فلبنان يحتاج إلى مقاومة الاحتلال، لكنّه يحتاج أيضاً إلى دولة قوية. ويحتاج إلى الجّيش، كما يحتاج إلى وحدة شعبه. ويحتاج إلى حماية حدوده، كما يحتاج إلى حماية سلمه الداخلي.لذلك فإنّ طرح المسألة على قاعدة "الدولة أو المقاومة"، قد يكون أضيق من الواقع اللبناني وتعقيداته.السّؤال الأعمق هو: كيف تتحوّل كل عناصر القوّة اللبنانية إلى جزء من استراتيجية وطنية واحدة؟الجنوب لا يتحمل أن يكون ساحة دائمة، لقد دفع الجنوبيون ثمناً باهظاً من الحروب المتكرّرة.بيوت دُمّرت، وأراضٍ زراعية جُرِفت وتضرّرت، وأجيال عاشت الخوف والتّهجير، فيما بقي الجنوب في كثير من المراحل منطقة تتقدّم فيها الحرب على التنمية.إنّ الدفاع عن الأرض لا يعني أن يصبح الموت قدراً دائماً لأهلها، والمقاومة لا تفقد معناها عندما يطالب أهل الجنوب بالمدرسة والعمل والإنماء والاستقرار، بل إنّ هذه المطالب هي جزء من معنى الدّفاع عن الإنسان والوطن.إسرائيل والجنوب: الأمن أم الجغرافيا؟لا يمكن تجاهل أنّ الجنوب يقع في قلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية منذ عقود، وأنّ موقعه الجغرافي وقربه من فلسطين المحتلة جعلاه مسرحاً متكرراً للصّراع، كما أنّ الحديث عن الليطاني، والحدود، والمناطق العازلة، والعمق الأمني، يتكرّر في الأدبيات والاستراتيجيات المرتبطة بالصّراع الإسرائيلي-اللبناني.لكن مواجهة هذه الحسابات لا تكون فقط بالرّد العسكري، هناك أيضاً الديبلوماسية، والقانون الدولي، وتثبيت الحدود، وتقوية الجيش، وتعزيز حضور الدولة، وتنمية الجنوب، وتحصين الوحدة الوطنية.الإمام الصدر والجيش والدولةكان الإمام الصدر يولي الدّولة ومؤسساتها أهمية أساسية، لأنّ الوطن الذي لا يمتلك مؤسسات قوية يبقى عرضة لأن تتحوّل أرضه إلى ساحة نفوذ للآخرين. لذلك لا يكاد خطاب للإمام الصّدر يخلو من حث الدّولة على الإهتمام بالجنوب وكلّ المناطق المحرومة من لبنان... وكذلك دعواته المتكرّرة الى ضرورة وجود الجيش على الحدود مع فلسطين لحماية أبناء الجنوب الذين يتعرّضون للقصف والقتل والتّهجير...ومن هنا يمكن قراءة العلاقة بين الجيش والمقاومة بعيداً من منطق الإلغاء.الجيش هو المؤسسة الوطنية الجامعة، والمقاومة نشأت في سياق الاحتلال والاعتداء. والتحّدي اللبناني هو في إيجاد صيغة وطنية تحفظ وظيفة الدّولة وتمنع الاحتلال، بدل أن يبقى اللبنانيون أسرى سؤال الصراع الدّاخلي حول السلاح؟ إنّ قوّة لبنان الحقيقية لا تكون في تعدّد مراكز القرار، بل في وحدة الهدف الوطني.السّلم الداخلي... الوجه الآخر للمقاومةربما تكون هذه من أكثر أفكار الإمام موسى الصدر وطروحاته حاجة إلى الاستعادة اليوم.فالانقسام الدّاخلي يضعف القدرة على مواجهة الخارج، والمجتمع الذي يتحوّل فيه الخلاف السياسي إلى صراع طائفي يفقد جزءاً من مناعته الوطنية. لذلك، فإنّ السّلم الدّاخلي ليس ترفاً سياسياً، إنّه جزء من الأمن الوطني. ومن هنا يمكن فهم المتلازمتين في فكر الإمام الصدر: السلم الداخلي والمقاومة في مواجهة العدوان. لا مقاومة وطنية حقيقية إذا تحوّل اللبنانيون إلى أعداء بعضهم لبعض، ولا سلم داخلياً مستداماً إذا بقي الاحتلال أو الاعتداء الخارجي بلا مواجهة.الجنوب أولًا... لأنه جزء من لبنانكان الإمام موسى الصدر شديد الو