حين أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة ضمن أجندة 2030 في أيلول/ سبتمبر 2015، كان أمام العالم خمسة عشر عاماً لتحقيق مشروع واسع يضمّ 17 هدفاً و169 غاية، تمتدّ من القضاء على الفقر والجوع إلى التعليم والصحّة والمساواة والمياه والطاقة والعمل والنمو الاقتصادي والمناخ والسلام. مرّ أحد عشر عاماً، وبقيت أربع سنوات على 2030. ومع اقتراب الموعد، أصبحت الأرقام كافية لإجراء جردة حساب. ماذا تحقّق فعلاً من أهداف التنمية المستدامة؟ وأين تعثّر العالم؟ وكيف تبدو الصورة في المنطقة العربية؟ أين وصلت أهداف التنمية المستدامة عالمياً؟ المؤشر الأوضح يأتي من الغايات الـ169 نفسها. تتوافر بيانات تسمح بتقييم 139 غاية على المستوى العالمي، ويسجّل نحو 35% منها فقط تقدّماً كافياً، بينها 18% تسير وفق المسار المطلوب و17% تحقّق تقدّماً معتدلاً. أما 31% فتسجّل تقدّماً محدوداً، و17% تراوح مكانها، فيما تراجعت 18% عن مستويات عام 2015. هذه الأرقام تضع أجندة 2030 أمام تحدٍّ زمني واضح. فالسنوات الأربع الباقية قصيرة قياساً بحجم الفجوة التي تفصل عدداً كبيراً من المؤشرات عن الأهداف المحدّدة قبل أكثر من عقد. ومع ذلك، تغيّرت أشياء كثيرة منذ عام 2015. وصلت الكهرباء إلى نسبة لامست 90% من سكان العالم، واتسع انتشار الإنترنت ليشمل قرابة سبعة من كل عشرة أشخاص. وفي قطاع الصحّة، انخفضت الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية بنحو 40% مقارنة بعام 2010، وأسهمت جهود مكافحة الملاريا منذ مطلع القرن في تجنّب نحو 2.2 مليار إصابة و12.7 مليون وفاة. وسجّل التعليم تقدّماً أيضاً، مع دخول 110 ملايين طفل وشاب إضافي إلى التعليم النظامي. واتسعت تغطية شبكات الحماية الاجتماعية بنحو عشر نقاط مئوية لتشمل أكثر من نصف سكان العالم. وفي السياسة، ارتفعت حصّة النساء في البرلمانات الوطنية من نحو 22% عام 2015 إلى قرابة 27%. لكن السنوات نفسها حملت سلسلة من الأزمات التي أثّرت في سرعة التقدّم، من جائحة كورونا إلى الحروب والتضخم وأزمات الطاقة والغذاء والديون، وصولاً إلى تسارع آثار التغيّر المناخي. أكثر من 800 مليون شخص ما زالوا يعيشون في الفقر المدقع، فيما يعاني نحو شخص من كل أحد عشر شخصاً من الجوع المزمن. وارتفع عدد النازحين والمهجّرين قسراً إلى نحو 120 مليون شخص، أي أكثر من ضعف المستوى المسجّل عند إطلاق الأجندة عام 2015. وتزداد الضغوط البيئية بدورها، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية ووصول تركيزات ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى مستويات استثنائية تاريخياً. الديون وتمويل التنمية: عائق إضافي أمام أجندة 2030 في خلفية هذه الأزمات تبرز مشكلة تمويلية متزايدة. فقد وصلت تكاليف خدمة الديون السيادية للدول النامية إلى نحو 1.4 تريليون دولار، فيما تراجعت المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 7.1% عام 2024. وتنعكس هذه الضغوط مباشرة على قدرة الحكومات على الإنفاق على التعليم والصحّة والحماية الاجتماعية والمياه والطاقة والبنية التحتية. وكلما ارتفعت فاتورة الدين، أصبحت الموارد المتاحة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة أكثر محدودية. مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في صورة من أرشيف رويترز. أهداف التنمية المستدامة في العالم العربي: مسارات شديدة التفاوت في المنطقة العربية، تبدو المسافة إلى 2030 مختلفة بدرجة كبيرة من دولة إلى أخرى. حيث يبلغ متوسط الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية نحو 60.5 نقطة من أصل 100 على مؤشر أهداف التنمية المستدامة للمنطقة. وتأتي الجزائر ومصر والأردن والمغرب وتونس والإمارات ضمن مجموعة الدول ذات النتائج الأعلى نسبياً، فيما تسجّل الصومال نحو 44.1 نقطة واليمن 49 نقطة، وتأتي سوريا وليبيا أيضاً دون المتوسط الإقليمي. وتكشف هذه الفجوة واقعاً عربياً شديد التفاوت. ففي وقت تمتلك فيه بعض الدول القدرة على تمويل مشاريع واسعة في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والتحوّل الرقمي، تستنزف الحروب والأزمات الاقتصادية موارد دول أخرى وتعيد مؤشرات أساسية فيها سنوات إلى الوراء. وتبرز المساواة بين الجنسين، أي الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة، ضمن التحدّيات الأساسية. فمشاركة النساء في سوق العمل العربي تدور حول 25%، وهي من أدنى المستويات عالمياً، مع استمرار فجوات في الأجور والفرص الاقتصادية. ويأتي الماء، وهو الهدف السادس، في قلب التحدّيات المقبلة. فمعظم الدول العربية تعاني مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي، وتزداد الضغوط مع النموّ السكاني وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المتاحة. ويُضاف إلى ذلك ارتباط موارد مائية عربية أساسية بأنهار وأحواض مشتركة وعابرة للحدود. أما النزاعات، فتظهر آثارها بوضوح عند قياس الهدف السادس عشر المتعلّق بالسلام والعدل والمؤسسات القويّة. فالحرو