في كلام الرئيس السوري أحمد الشرع الأخير عن الجولان، لم تكن الجملة الأهم أنه "أرض سورية". فهي جملة يسمعها السوريون منذ عقود، وتكررت على ألسنة الرؤساء والوزراء والخطباء حتى فقدت شيئاً من قدرتها على الدهشة. الجملة التي تستحق التوقف هي الأخرى: "الجولان لأهله". ثمّ أضافَ الشرع أنّ لا الرئيس السوري، ولا الرئيس الأميركي، ولا أي شخص آخر، يملك حقّ التنازل عنه أو منحه لغير أهله. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى جزءاً من سجال دبلوماسي مع دونالد ترامب، خصوصاً بعدما روى الشرع أنهُ مازح الرئيس الأميركي قائلاً له: لماذا لا يعطي إسرائيل نيوجيرسي ما دام يملكها، بدلاً من الجولان الذي لا يملكه؟ لكن خلف المزحة توجد جملة سياسية أكثر عمقاً من موضوع الجولان نفسه! الرئيس، في هذه الرواية، ليس مالكاً للأرض ولا صاحب الحق في التصرف بها. هو موجود في موقع السلطة نعم؛ لكنه لا يملك القضية التي يتحدث باسمها… وهنا تحديداً يصبح الجولان أكبر من مجرد ملف حدودي. من زمن حافظ الأسد، لم يكن الجولان مجرد أرض محتلة في الخطاب السوري بل صار جزءاً من تعريف الدولة لنفسها، ومن تعريف الرئيس لدوره فيها. دخلت قضية الجولان في تركيب شرعية النظام نفسه: الدولة تقول إنها تحمل قضية الأرض، والرئيس يقول بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إنه يحمل الدولة وقضيتها معها. وبعد 1974 بقي خطُ الفصل قائماً، واستمرت لاحقاً محاولات التفاوض السورية الإسرائيلية، بما فيها مفاوضات في عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد، من دون الوصول إلى اتفاق نهائي. لكنّ المفارقة السورية أنّ الدولة التي كانت شديدة الحساسية تجاه سيادتها على الأرض لم تكن شديدة الحساسية تجاه سيادة السوريين على دولتهم. كان ممكناً أن يسمع السوري عن القرار الوطني المستقل في السياسة الخارجية، بينما لا يملك قراراً حقيقياً في السياسة الداخلية. وكان ممكناً أن تصبح الحدود قضية سيادية لا يجوز المساس بها، فيما تصبح حدود السلطة داخلَ البلاد قابلة للتمدد بحسب بقاء الرئيس وحاجته إلى الوقت.. لذا تبدو عبارة الشرع "الجولان لأهله" أهم من كونها موقفاً من إسرائيل. لأننا إذا أخذناها إلى نهايتها المنطقية فهي تضع الرئيس نفسه داخل حدود القضية لا فوقها. وهذا ما يجعلها تلتقي وبصورة غير مباشرة، مع كلام آخر قاله الشرع في الجلسة نفسها عن مستقبله السياسي. فهو لم يقل إنه لن يترشح للرئاسة المقبلة، كما لم يقل إنهُ قرر البقاء فيها. قال إنه لم يفكر في الأمر بعد ويركز حالياً على خدمة الناس وتطوير البلاد، لكنه ترك احتمال الترشح قائماً إذا رأى أنّ المهمة تحتاج إلى بقائه، بل قال إنه سيتحمل المسؤولية إذا اعتقد أنه قادر عليها، مع إقراره بأنّ العودة إلى حياته العادية أفضل لهُ شخصياً وأن الحكم مرهق. هذه ليست إجابة عن المستقبل بقدر ما هي واحدة من أولى الجمل التي ينبغي أن نراقب من خلالها شكلَ المستقبل السوري. لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية هو أن تتحول المهمة إلى حجة مفتوحة الزمن. كل رئيس يستطيع أن يقول إنّ البلاد لم تستقر بعد، وإن المؤسسات لم تكتمل، وإن الخطر لم ينته، وإنّ مشروع الدولة يحتاج إلى بقائه. وفي بلد خرج للتو من تاريخ طويل كان فيه بقاء الرئيس جزءاً من بقاء النظام، يصبح الفرق بين "أحتاج إلى إكمال المهمة "و"لا يمكن أن تكتمل المهمة من دوني" فرقاً دستورياً وسياسياً، لا فرقاً لغوياً… هنا يمكن أن يصبح الجولان اختباراً غير متوقع للرئاسة السورية الجديدة. إذا كان الجولان لأهله وليس للرئيس السوري، فإن سوريا نفسها لا ينبغي أن تصبح لرئيسها. الأرض ليست ملكاً لمن يجلس في القصر، والقضية الوطنية ليست ملكاً لمن يتحدث باسمها، والدولة ليست ملكاً لمن يتولى قيادتها في مرحلة انتقالية. قد يبدو هذا استنتاجاً أكبر من العبارة التي قالها الشرع، لكنه بالضبط النوع الذي يستحق أن يُستخرج من الكلام السياسي قبل أن يتحول إلى خبرٍ عابر. المشكلة ليست في أنّ الشرع قد يترشح. ولا في أن يترشح أو لا يترشح. المشكلة الحقيقية هي في السبب الذي سيجعل الترشح ضرورياً أو غير ضروري. إذا احتاجت سوريا إلى شخص بعينه كي تستمر، فهذا يعني أنّ الدولة لم تخرج بعد من منطق الشخص. أما إذا استطاعت المؤسسات أن تجعل وجود الرئيس مهماً من دون أن تجعل غيابهُ كارثة، فحينها فقط يصبح انتقال السلطة حدثاً سياسياً عادياً، لا امتحاناً جديداً لبقاء البلد. وهنا تختلف المسألة عما جرى في زمن حافظ وبشار الأسد. فانتقال السلطة بينهما لم يكن تداولاً سياسياً، بل انتقالاً داخل العائلة نفسها، وقد جرى إعداد شروطه مسبقاً بما سمح بانتقالٍ سلس نسبياً من الأب إلى الابن. أما سوريا اليوم، إن أرادت فعلاً أن تدخل زمناً مختلفاً، فلا يمكن أن يكون السؤال المركزي فيها: من سيكون الرئيس بعد الشرع؟ بل كيف يصبح بعد الشرع ممكناً أصلاً، أياً كان اسمُ من يأتي؟ ربما