في بيتٍ في بلدة بيصور، كان الفن جزءاً من تفاصيل الصباح العادية. لوحات، ألوان، رائحة دهان، وأب وأم يدخلان الستوديو كما يذهب آخرون إلى أعمالهم. لم يكن ريبال ملاعب يحتاج إلى أن يسأل ما هو الفن، لأنه ببساطة كان يعيش داخله. هناك، في منزل الفنان جميل ملاعب، نشأ ريبال في بيئة يصف فيها الحديث في بودكاست مع نايلة عن الفن بأنه كان أشبه بـ"ديانة يومية". كان يرى والديه يعملان في الستوديو، ويراقب كيف تُحضّر اللوحة، وكيف تُخلط الألوان، وكيف يمكن لفكرة صغيرة أن تتحول تدريجياً إلى عالم كامل على القماش. ومع دخوله سن المراهقة، لم يعد مجرد طفل يراقب. بدأ يتعلم تحضير الـ"كانفاس"، وخلط الألوان، والدخول شيئاً فشيئاً في طقوس المهنة. كان كل شيء يقوده نحو الرسم. لكن في السابعة عشرة، اختار أن يبتعد. غادر ريبال إلى أوروبا، إلى زالتسبورغ وفيينا، واختار الموسيقى الكلاسيكية وآلة"الفيولا". كان ذلك عالماً مختلفاً تماماً عن حرية الستوديو الذي عرفه في طفولته. في الموسيقى الكلاسيكية، لا مكان تقريباً للصدفة. هناك تمرين متواصل، ودقة، وقواعد، ومنافسة مع موسيقيين أمضوا سنوات طويلة في التدريب. ويشبّه ملاعب هذا المسار بصرامة الباليه، إذ كان يتدرّب أحياناً نحو سبع ساعات يومياً حتى يتمكن من الوقوف إلى جانب عازفين عالميين. قادته الفيولا إلى باريس ونيويورك وفيينا، وفتحت أمامه أبواب عالم موسيقي واسع. لكن شيئاً من طفولته بقي يلاحقه. في منتصف العشرينات، عاد إلى الرسم. لم يشعر بأنه يبدأ فناً جديداً، بل كأنه يعود إلى شيء يعرفه منذ زمن بعيد. يصف تلك العودة بأنها عودة إلى "اللغة الأم". بعد سنوات من الانضباط الموسيقي الصارم، وجد أمام اللوحة مساحة مختلفة: حرية أكبر، دفئاً أكثر، ومكاناً يستطيع فيه أن يترك يده تقوده من دون أن تفرض عليها النوتة الموسيقية مساراً محدداً. في حديثه مع نايلة تويني ضمن "بودكاست مع نايلة"، لا يتعامل ريبال ملاعب مع الموسيقى والرسم كخيارين متنافسين. بالنسبة إليه، هما طريقتان مختلفتان للوصول إلى المكان نفسه: الإنسان. فالموسيقى، كما يراها، تسمح له بالغوص في أكثر المشاعر الإنسانية عمقاً؛ الحزن والفرح والخوف وكل ما يصعب أحياناً التعبير عنه بالكلمات. أما الرسم، فيحمل بالنسبة إليه سؤالاً آخر، أكثر وجودية: ماذا يبقى منا؟ هنا تصبح اللوحة أكثر من ألوان على قماش. تصبح محاولة لترك أثر، وبصمة تقاوم فكرة الفناء. ففي كل عمل، يحاول ملاعب أن يبني عالماً يستطيع المشاهد الدخول إليه، مساحة تأملية ودافئة تحمل شيئاً من صاحبها حتى بعد غيابه. ولهذا، لا يربط قيمة الفن بفكرة "الجمال" بمعناها السطحي. فالعمل الفني ليس مطالباً دائماً بأن يكون جميلاً أو مثالياً، بل بأن يحمل رسالة وبصمة إنسانية يصعب محوها. ربما لهذا السبب تحديداً، لا يخيفه الذكاء الاصطناعي. في وقت يتساءل فيه فنانون كثيرون عن قدرة التكنولوجيا على إنتاج الصور والموسيقى وتقليد الأساليب الفنية، يرى ملاعب المسألة من زاوية مختلفة. فكلما أصبح العالم الرقمي أكثر قدرة على صناعة صورة مثالية، ازدادت، في رأيه، قيمة ما لا يستطيع الإنسان ضبطه بالكامل: الخطأ، والعفوية، وأثر اليد على اللوحة. قد تصبح اللمسة البشرية نفسها أكثر ندرة، وبالتالي أكثر قيمة. واليوم، يتنقل ملاعب بين سويسرا ولبنان، حاملاً معه تجربة تشكّلت بين بيصور وفيينا وزالتسبورغ وباريس ونيويورك. تجربة جعلته ينظر إلى الفنان باعتباره شخصاً لا تحدّه بالضرورة جغرافيا واحدة، بل إنساناً ينتمي إلى مساحة أوسع من الحدود. لكن مهما اتسعت هذه الجغرافيا، تبقى البداية واضحة: ذلك البيت الذي كان الفن فيه جزءاً من الحياة اليومية. حين يتحدث ريبال ملاعب عن الشغف، لا يقدّمه كنصيحة يمكن إعطاؤها لشخص آخر. فالشغف الحقيقي، بالنسبة إليه، لا ينتظر من أحد أن يدفعه إلى الأمام. هو محاولة يومية للوصول إلى أفضل نسخة ممكنة من الذات. وبين مقطوعة يكتبها ولوحة يرسمها، يبدو أن السؤال الذي رافقه من بيصور إلى أوروبا لا يزال نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يصنع شيئاً يبقى بعده؟ ربما لهذا اختار الموسيقى والرسم معاً. فالموسيقى تمنحه وسيلة ليعبّر عمّا يشعر به الإنسان، واللوحة تمنحه فرصة لأن يترك شيئاً منه خلفه. وبين الاثنتين، يحاول ريبال ملاعب أن يفعل ما تربّى عليه منذ طفولته: أن يصنع الجمال، وأن يترك أثراً يصعب نسيانه.