فالقرار الدولي القائم حسم مبدأ انتهاء ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب منظّم وآمن تستمر خلال عام 2027 بالتنسيق مع الدولة اللبنانية. وهذا يعني أن المسألة ليست إخلاءً فورياً للمواقع في اليوم التالي، لكنها تعني بدء مرحلة انتقالية يفترض أن تنتقل فيها مسؤولية الأمن تدريجياً إلى الدولة اللبنانية. المشكلة أن الانتقال من قوة أممية ذات تفويض دولي إلى صيغة جديدة لا يتعلق فقط بتوفير جنود بدلاء. السؤال الأصعب هو من يملك الشرعية والصلاحيات والقدرة على الحركة في منطقة شديدة الحساسية؟ اليونيفيل ليست مجرد انتشار عسكري أجنبي. وجودها مرتبط بقرار من مجلس الأمن وبالقرار 1701، وهي تؤدي دوراً في مراقبة الوضع على الأرض، والتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، ومساعدة الجيش اللبناني في تنفيذ مهماته جنوب الليطاني، فضلاً عن حماية مواقعها وحرية الحركة ضمن نطاق عملياتها. ولذلك فإن استبدالها بقوة لا تحمل التفويض نفسه سيطرح فوراً سؤال الصلاحيات، وليس فقط سؤال الجنسية أو عدد الجنود. وهنا تظهر العقدة الأميركية ـ الأوروبية. فالمقترحات التي جرى تداولها خلال الأشهر الماضية انطلقت من البحث عن صيغة متعددة الجنسيات أو أوروبية تمنع حصول فراغ أمني، فيما بقيت مسألة طبيعة التفويض والمهام هي العقدة الأساسية. وفي المقابل، لا تبدو الدول الأوروبية مستعدة بسهولة للانخراط في مهمة قد تتحول من مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساندة الجيش اللبناني إلى مواجهة مباشرة حول ملف سلاح حزب الله أو الدخول في ترتيبات أمنية تتجاوز جنوب الليطاني. ( وهذا تحديداً ما يجعل الجيش اللبناني أمام معادلة شديدة الحساسية. فالدولة اللبنانية مطالبة بأن تكون صاحبة المسؤولية الأمنية على أراضيها، وهو ما نص عليه القرار الدولي نفسه، لكن الجيش لا يعمل في فراغ. جنوب لبنان لا يزال ساحة مفتوحة على وجود عسكري إسرائيلي، وعلى خلافات حول خطوط الانتشار، وعلى بيئة أمنية لم تستقر نهائياً. وقد أظهرت حادثة دير ميماس الأخيرة، عندما اقتربت قوة إسرائيلية من نقطة مراقبة مستحدثة للجيش، أن هامش الحركة أمام المؤسسة العسكرية يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة ميدانية تستدعي تدخلاً عبر آليات التنسيق. ومن هنا، فإن غياب البديل قد يضع الجيش أمام مسؤولية أكبر من قدرته الميدانية والسياسية في آن واحد. فإذا أصبح مطلوباً منه ملء الفراغ الذي ستتركه اليونيفيل، من دون أن تتوافر له آلية دولية واضحة لحماية انتشاره أو ضبط الخروقات، فقد يتحول الجنوب إلى مساحة تختبر فيها إسرائيل حدود قدرة الجيش على الانتشار، بينما يُطلب من المؤسسة العسكرية اللبنانية في الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة. الأخطر أن يتحول الفراغ إلى واقع أمني جديد قبل أن يتم التوصل إلى تفاهم سياسي. فالمواقع التي تشغلها اليونيفيل ليست مجرد أبنية يمكن تسليمها من طرف إلى آخر. بعضها يقع في مناطق قريبة من خطوط التماس، وبعضها يرتبط بشبكة مراقبة واتصال وتنسيق تراكمت على مدى عقود. ومع بدء الانسحاب، ستصبح مسألة من يتسلم هذه المواقع، ومن يحميها، ومن يحدد طبيعة استخدامها، جزءاً من الصراع على شكل الجنوب المقبل. وقد حذرت قيادة اليونيفيل نفسها من حساسية الانتقال، مؤكدة أهمية انتقال سلس قبل بدء الانسحاب. في المقابل، ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية ماذا ستكون مهمة القوة الجديدة إذا ولدت؟ فهناك فرق جوهري بين قوة هدفها مساعدة الجيش اللبناني ومراقبة وقف الأعمال العدائية، وبين قوة يُراد منها تنفيذ مهام مرتبطة ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها أو معالجة ملف السلاح. اليونيفيل نفسها ليست قوة لنزع سلاح حزب الله، كما أن تفويضها لا يجعلها طرفاً في فرض حل سياسي لبناني. وهنا تحديداً يمكن أن تتعطل أي صيغة بديلة. فإذا كانت القوة الجديدة مطالبة بمهمات أوسع من تلك التي كانت تقوم بها اليونيفيل، فإنها ستحتاج إلى موافقة الدول التي سترسل جنودها، وإلى قبول لبناني، وإلى غطاء سياسي وقانوني واضح. أما إذا كانت مهمتها أضيق، فقد لا ترى إسرائيل فيها الأداة التي تريدها، وقد لا تحقق للبنان الضمانات التي يحتاج إليها. لذلك، فإن أخطر سيناريو ليس بالضرورة خروج اليونيفيل، بل الخروج من دون صيغة واضحة لليوم التالي. عندها قد يجد الجيش نفسه أمام مسؤولية ملء مساحة أمنية أكبر، فيما تحاول إسرائيل فرض وقائع ميدانية، وتسعى القوى المحلية إلى منع تحول الجنوب إلى بيئة مراقبة أو اشتباك جديدة، وتبقى الدولة اللبنانية مطالبة بإدارة تناقضات تتجاوز قدرتها على التحكم بها.