"فرنسا ماذا فعلتِ بمُعموديَّتِك؟" منذ 46 سنة، وقف يوحنا بولس الثاني في 1980 في فرنسا، البنت البكر التاريخية للكنيسة الكاثوليكية، وسألها علانية في البورجيه هذا التساؤل المحب والتأنيبي. على خطى أسلافه، يزور البابا لاوون 14 فرنسا من 25 إلى 28 أيلول، والسؤال الذي يتكرر هو ماذا سيقول البابا لفرنسا، وهل سيُذكّرها بقول البابا يوحنا بولس الثاني، الذي أسقط القلعة الشيوعية، وخاصة بعدما تم تمرير قانون القتل الرحيم، بالرغم من معارضة كل الأديان له. محطات الزيارة حاشدة لآلاف المشاركين، في باريس ولورد، ومدينة ميتز. اللقاء المهم المرتقب سيكون في مدينة ميتز بين البابا وممثلي الأديان في فرنسا، ومنهم نحنُ ممثلي الأرثوذكس، بحضور رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون ورؤساء دول أوروبية، وشخصيات مدنية، ودينية، ورسميين. مدينة ميتز التاريخية، هي مدينة الشرق الفرنسي الكبير، التي عانت من آلام الحروب وضُمّت بالقوة الى ألمانيا واستعادتها فرنسا في ١٩١٩. لهذه المدينة رمزية أوروبية وتاريخ لعلائقية حوارية سلامية بين الأديان، وهي لا تزال تخضع لنظام "الكونكوردا"، الذي نظَّم العلاقة بين الدولة الفرنسية والأديان تطبيقاً لمعاهدة ١٨٠١ بين نابليون بونابرت والبابا بيوس السابع. بالتالي لا تخضع ميتز لقانون ١٩٠٥ لفصل الدين عن الدولة الذي أقر في 1905 في وقت كانت فيه المدينة خاضعة لألمانيا. أهمية هذا اللقاء الخاصة، ستكمُن في نص إعلان "نداء ميتز" حول أهمية الحوار بين الأديان والعمل المشترك من أجل السلام وكرامة الإنسان في عالم يتألم ويعيش أزمات تحولات وأخطاراً كثيرة وكبيرة. سيُتلى الإعلان، الذي أعددناه بشكل مشترك، وسيوقّع عليه ممثلو الأديان في فرنسا وقداسة البابا. الجدير ذكره أن هذا الإعلان يأتي 40 سنة، بعد لقاء مدينة "أسّيز" الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني والذي حضره ممثلو كل الأديان، لا ليصلوا معاً، بل ليكونوا معاً بالصلاة من أجل السلام والحوار واللقيا. "النهار" تواكب زيارة البابا الى فرنسا 2-... على خطى روبير شومان رجل الإيمان في خدمة أوروبّا "أنا أمشي لكي تتقدَّم الكنيسة". هذا ما كتبه الأب إيف كونغار الدومينيكي، الذي برز نجمه في المجمع الفاتيكاني الثاني، في كتاب مذكّراته من جزءين "يومياتي عن المجمع"، من دار نشر سيرف الفرنسية، الذي يُعد أهم وثيقة حية يومية من قبل شاهِد فاعل في أروقة وجلسات المجمع توثق يوميات وتحديات هذا المجمع المَرْجع في الكنيسة الكاثوليكية الذي افتتحه البابا يوحنا ٢٣ في 1962 وأنهاه البابا بولس السادس سنة 1965. فعندما أطلق البابا يوحنا 23 ديناميكية المجمع الفاتيكاني الثاني، كان يُدرك أهمية أن يجتمع الكاثوليك معاً في مجمع للسير إلى الأمام ولصياغة شهادة تفهم الحداثة دون أن تخرج عن تراكم التقليد في الكنيسة. كذلك الأمر، وفي نفس الزمنية، فعل البطريرك أثيناغوراس الأرثوذكسي القسطنطيني في 1961 عندما أطلق في رودوس أول مؤتمر أرثوذكسي جامع إطلاقاً للتحضير للمجمع الأرثوذكسي الكبير. ضرورة اقتحام الحداثة والتحديث على مستوى الكنيسة الجامعة، الكاثوليكية والأرثوذكسية، هو ما شعرت به هاتان القامتان الكبيرتان، كضرورة ماسّة في أزمنة التحول المفصلية والخطرة. وهذا التحدّي اليوم الذي يجب أن تشعُر به قيادات الكنيستين أمام عِظَم أخطار تحولات زمنية اليوم المتأزمة. يجب على الكنيسة أن تكون مَشّاءة، يقول المطران جورج خضر، أي أن تمشي كتلاميذ عمواس لمُلاقاة السيِّد عند كسر الخبز، لأنها إن راوحت مكانها تتكلَّس وتُصبح مؤسسة جامدة، مُحافظة، تتمركز بتحجُّر على مواقفها وحقائقها فتجعلها مطلقة، فتصبح إدارة الكنيسة مُتحفيّة. السير إلى الأمام، أكان في العالم الكاثوليكي الذي يشهد تراكمات كثيرة، أم في العالم الأرثوذكسي الذي يشهد أيضاً منذ 2019 انقسامات وأزمات كثيرة، ضروري لحياة الكنيسة وشهادتها في عالم اليوم المُتحوّل والمُتأزِّم والخطر حيث التحوّلات والأخطار الكثيرة من جيوسياسية، وعسكرية، واقتصادية، وبيئية، ومجتمعية، والأخطر يكمن في الانعكاس القِيَمِيّ الذي يقضي على كل القيم المسيحية ويفتح المجال لعودة القيم الوثنية القديمة الجديدة التي تتمركز اليوم وتتوسَّع في كل التشريعات. فالمُراوحة هي الموت البطيء، وهي أشد خطورة من كل الظواهر التي تُهدد الكنيسة وشهادتها اليوم في أزمنة التحولات الكبرى التي تتطلب الخروج من لاهوت الخوف المُحافِظ الذي يُضخِّم عوامل الفرقة والقسمة على منصات اللقاءات والمؤتمرات وعلى صفحات المدونات. كم من الكنائس اليوم، المُحافظة، لا بل المُتكلِّسة، شرقاً وغرباً، تُفضِّل المُساكنة مع الأخطار والأزمات إلى حدّ الاندثار، على أن تكسر حلقة الوهم والخوف وكل الحلقات المُفرغة المتراكمة تاريخياً وحالياً. المراوحة بدل اقتحام الأزمات بجرأة وسلامية وعِلم من خلال وضع جدلية المهم