أحياناً، نرتدي ملابس شخص لم نصبحه بعد. نختارُ سترةً لمقابلة عمل، ونتأمّل انعكاسَنا كأنّنا نتعرّف إلى نسخةٍ من أنفسِنا تنتظرُ فرصتَها. نتخيّل كيف ستدخل الغرفة، وكيف ستتكلّم، وأين ستقف. يسبق المظهرُ التجربةَ بخطوة، ويصبح ارتداء الملابس تمريناً صغيراً على الحياة التي نريدها. نرتدي ما يشبهنا… أم نتعلّم أن نشبه ما نرتديه؟ في ذلك شيء من الفكرة الشائعة “Fake it till you make it”: أن نتصرّفَ بثقةٍ نطمحُ إلى امتلاكِها، ريثما تمنحنا التجربة أسبابها. لا تختصر السترة طريق النجاح، لكنّ اختيارها قد يكون طريقتنا الشخصية لإعلان الاستعداد، حتى حين يتأخّر شعورنا بأنّنا جاهزون. وما يجذبنا إلى إطلالة بعينها قد يكون الشخص الذي نتخيّل أنّنا سنصبحه داخلها. تعمل عروض الأزياء في هذه المسافة بين صورتِنا الراهنة والصورة التي نرغب فيها. تقدّم ملابس، وتمنحها أجساداً وحركة وموسيقى ومكاناً، فتقترح معها طرائق للحضور والانتماء. وهنا يتّسع السؤال الشخصي: هل نختار ما يقرّبنا من أنفسنا، أم نتعلّم الرغبة في صورة اختارها آخرون لنا؟ إطلالة من عرض ألكسندر ماكوين لمجموعة ربيع وصيف 2001، المعروفة باسم Voss. (أرشيف) في عرض “Voss” لألكسندر ماكوين، الذي أُقيم في لندن في أيلول 2000 لتقديم مجموعة ربيع وصيف 2001، جلس الجمهور أمام صندوق ضخم تعكس واجهاته صورته. قبل ظهور العارضات، كان الحاضرون يشاهدون أنفسهم. وحين تغيّرت الإضاءة، انكشف الداخل، وبدأت العارضات يتحرّكن في فضاء مغلق، من دون أن يستطعن رؤية المتفرّجين خلف الزجاج. يمكن قراءة المشهد بوصفه قلباً للعلاقة المعتادة بين الناظر والمنظور إليه. فالذين حضروا لتقييم الأجساد والملابس وجدوا أنفسهم، أولاً أمام صورتهم. جعل ماكوين طريقة النظر نفسها جزءاً من العرض، وفتح باباً للسؤال عن السلطة التي نمارسها حين نقرّر مَن هو جميل، ومَن يستحقّ الانتباه. بهذا المعنى، تبدو قراءة عروض الأزياء كمرآة للمجتمع وحدها غير كافية. المرآة تعكس ما أمامها، فيما تختار المنصّة صورتها بعناية: تستعيد ماضياً، وتمنح فئة حضوراً، وتترك أخرى خارج المشهد. إنّها تشارك في صناعة الصورة التي يريد المجتمع تصديقها عن نفسه. إطلالة من مجموعة إيلي صعب للأزياء الراقية لربيع وصيف 2015، التي استعاد فيها ذكريات طفولته وبيروت الستينات. (Vogue) في مجموعة الأزياء الراقية لربيع وصيف 2015، عاد إيلي صعب إلى طفولته وإلى بيروت الستينيات. حضرت صورة لوالديه في كتيّب العرض، وألهم فستان والدته المطبوع بأزهار التوليب بعض تفاصيل المجموعة. انتقلت صورة عائلية إلى ملابس تُعرض أمام جمهور دولي، وأصبحت ذاكرة الطفولة مادة للتصميم. تكمن خصوصية هذا المثال في أنّ الهوية اللبنانية تظهر من خلال تجربة حميمة. في الموضة أحياناً، يصبح الانتماء إحساساً قابلاً للترجمة إلى قصّات وألوان وتطريزات، ويتّسع التعبير عنه خارج الرموز التراثية المألوفة. وفي مجموعة زهير مراد للأزياء الراقية لربيع وصيف 2021، حضرت الأرزة اللبنانية مرجعاً بصرياً، عبر تطريزات تستعيد الأغصان وحلقات جذوع الأشجار. وربط المصمّم المجموعة بتعلّقه بلبنان ورغبته في تقديم رسالة أمل. بين صورة الأمّ عند صعب والأرزة عند مراد، نرى طريقين لتقديم الهوية: ذاكرة شخصية ورمز مشترك. وتتيح المقارنة طرح سؤال يتجاوز المثالين: كيف يجدّد المصمّم علاقته بالموروث، بحيث يصبح جزءاً من لغة معاصرة، ويحتفظ بخصوصيته؟ في عرض "ديور" للأزياء الراقية لربيع وصيف 2020، تعاونت ماريا غراتسيا كيوري مع الفنانة جودي شيكاغو لإنجاز فضاء فني حمل اسم “The Female Divine”. وأُقيم العرض داخل بنية ضخمة تجسّد هيئة إلهة، ترافقها لافتات تتمحور حول سؤال: "ماذا لو حكمت النساء العالم؟". أدخل التعاون ممارسة فنية نسوية إلى صميم إخراج العرض، وأتاح وصول أسئلتها إلى جمهور قد يتعرّف من خلال الموضة إلى تجارب لم يكن يبحث عنها في المتاحف. لكنّ انتقال الفكرة إلى مؤسسة تجارية يضعها أيضاً أمام امتحان مختلف: ما الذي يبقى من السؤال حين يتحوّل إلى صورة مرغوبة؟ تجعل هذه المساءلة قراءة العرض أكثر جدّية. فرفع شعار عن النساء يستدعي النظر إلى موقعهنّ في العمل وصنع القرار، مثلما يستدعي الاحتفاء بالحِرَف السؤال عن أصحاب المهارة والاعتراف بمساهمتهم. وتُقاس قوة الرسالة الثقافية أيضاً بالعلاقة بين ما تعرضه المؤسسة وما تمارسه. عرض شانيل لخريف وشتاء 2014–2015 في باريس. (Stéphane Mahé) قدّمت "شانيل" التداخل بين الثقافة والتجارة بمشهد بالغ الوضوح في عرض خريف وشتاء 2014–2015، عندما حوّل كارل لاغرفيلد "الغران باليه" في باريس إلى سوبرماركت، بممرّات ورفوف وسلع تحمل إشارات الدار. تحرّكت العارضات داخل فضاء يحاكي التسوّق اليومي، وقد أعادت علامة فاخرة صياغته بالكامل. يحتمل المشهد قراءة ساخرة لثقافة الاستهلاك، وي