في قصة علي الطاهر سؤال لا يجوز دفنه تحت ركام المعركة: لماذا لم تنتقل التلة إلى عهدة الجيش اللبناني قبل أن تعلن إسرائيل السيطرة عليها؟ السؤال ليس تفصيلاً عسكرياً. إنه في صلب المأساة اللبنانية كلها. طوال سنوات قيل للبنانيين إن سلاح حزب الله موجود لحماية الأرض لأن الدولة عاجزة والجيش غير قادر. لكن ماذا نفعل عندما يكون الجيش موجوداً، أو يُطرح اسمه بوصفه الجهة التي يمكن أن تتولى المسؤولية، من دون أن نعرف بدقة ما إذا كانت الشروط السياسية والعسكرية والقانونية اللازمة لذلك قد توافرت فعلاً؟ بحسب ما نُشر عن المفاوضات المتعلقة بعلي الطاهر، طُرحت صيغة تسمح بانتقال الموقع إلى الجيش اللبناني، لكن هذه الصيغة لم تُنفَّذ. ولا تكفي المعلومات المتاحة، من دون توثيق إضافي، للجزم بأن عدم تنفيذها نتج عن رفض متعمد، أو عن خلاف على التوقيت والصلاحيات، أو عن اعتبارات ميدانية وسياسية أخرى. ثم انتهت المعركة بإعلان إسرائيل السيطرة العملياتية على المنطقة. هنا يصبح السؤال سياسياً لا اتهامياً: ما الأسباب التي حالت دون انتقال الموقع إلى الجيش اللبناني قبل إعلان السيطرة الإسرائيلية عليه؟ هذا السؤال مختلف عن القول إن فقدان الموقع كان مقصوداً، أو إن أي طرف رأى أن بقاءه خارج عهدة الجيش أفضل من تسليمه إليه. لا توجد، في المعطيات المتاحة هنا، أدلة تسمح بإثبات مثل هذا الاستنتاج. لكن النتيجة تفرض نقاشاً جدياً حول استمرار وجود السلاح والقرار العسكري خارج مؤسسات الدولة، وحول العوامل التي تجعل انتقال المسؤولية إلى الجيش صعباً أو مؤجلاً. المشكلة لم تعد في علي الطاهر وحدها. المشكلة في السردية التي حكمت لبنان طوال عقود: الدولة لا تستطيع، لذلك نحن نقوم مقامها. لكن ماذا لو كان استمرار وجود السلاح خارج الدولة نفسه أحد الأسباب التي تمنع الدولة من أن تصبح قادرة؟ هذا سؤال تحليلي وسياسي، لا حقيقة يمكن إثباتها تلقائياً من واقعة واحدة. الجيش اللبناني ليس مجموعة حراسة حدودية ولا قوة توضع خلف المقاتلين لملء الفراغ بعد انتهاء المعارك. هو المؤسسة الدستورية التي يفترض أن تتولى الدفاع عن الأرض، وأن تنتشر على الحدود، وأن تحمل وحدها السلاح باسم جميع اللبنانيين. وقد أثبت الجيش خلال انتشاره جنوب الليطاني أنه قادر على تسلم المواقع وبسط وجود الدولة متى توافرت له الظروف والقرار السياسي والقدرات اللازمة. غير أن تعميم هذه التجربة على كل موقع وكل ظرف يحتاج إلى تقييم عسكري وسياسي وقانوني مستقل. فلماذا نطلب منه دائماً أن يأتي بعد الكارثة؟ ولماذا لا يكون حاضراً قبلها، متى سمحت الظروف والاتفاقات والقدرات بذلك؟ لماذا ندفع ثمن الحرب أولاً، ونخسر البيوت والقرى والأرواح والأرض، ثم نستدعي الجيش ليقف فوق الركام؟ هذه ليست استراتيجية دفاعية متكاملة. الاستراتيجية تبدأ بمنع الحرب، وحماية الأرض، وتوحيد القرار العسكري، وجعل أي اعتداء على الجنوب اعتداءً مباشراً على الدولة اللبنانية وجيشها. وهنا لا يمكن لحزب الله أن يستمر في الاكتفاء بعبارة «الجيش غير قادر» من دون تحديد أسباب هذا العجز، والمسؤوليات المرتبطة به، والخطة العملية لمعالجته. إذا كان الجيش حقا عاجزا السؤال الذي يطرح نفسه هل حمى السلاح الحدود ؟والبلاد؟ الجواب لا. السؤال الثاني : عندما يُستخدم السلاح لعمليات استباقية عندها يجب ان تُشل وتُقمع حركة العدو، لا ان تدمر الأخضر واليابس. إذا كان الجيش يحتاج إلى سلاح، نسلّحه. إذا كان يحتاج إلى تجهيزات، نجهزه. إذا كان يحتاج إلى دعم دولي، نؤمّن له الدعم. وإذا كان يحتاج إلى قرار سياسي، تتخذه الدولة. لكن لا يجوز أن يتحول نقص قدراته إلى مبرر دائم لاستمرار تعدد القوى المسلحة والقرارات العسكرية. بعد كل حرب، يُقال لنا إن الوقت غير مناسب لبحث السلاح. فمتى يصبح الوقت مناسباً للدولة؟ الأخطر أن أهل الجنوب هم الذين يدفعون الثمن. هم الذين تُهدم بيوتهم، ويتركون قراهم، ويخسرون أراضيهم وأرزاقهم، ثم يسمعون مرة أخرى أن السلاح موجود لحمايتهم. من حق الجنوبي اليوم أن يسأل بهدوء وبلا شعارات: السؤال لا يلغي تضحيات أحد ولا شجاعة أحد. لكنه يطالب بمراجعة النتيجة. فالسياسة الدفاعية لا تُقاس بعدد الشهداء ولا ببلاغات البطولة. تقاس بقدرتها على حماية الناس والأرض والسيادة. وهنا تصبح علي الطاهر أكثر من تلة. تصبح نموذجاً للسؤال اللبناني الكبير: هل نريد أرضاً في عهدة الدولة، أم مواقع تتوزع مسؤوليتها بين مؤسسات رسمية وتنظيمات مسلحة، ثم نطلب من الدولة التفاوض أو التدخل بعد اندلاع الحرب؟ هناك أسئلة أخرى تحتاج إلى إجابات موثقة: متى سقطت علي الطاهر فعلياً؟ هل تزامن السقوط العسكري مع الإعلان الإسرائيلي أم سبقه؟ ما العدد الحقيقي للقتلى؟ كم جثة عُرفت هويتها؟ وكم بقي من المفقودين أو مجهولي الهوية؟ وما طبيعة الاتصالات التي س