تحولت منصة عرض الأزياء من مجرد مسرح لعرض مجموعة الموسم المقبل، إلى استثماراً تسويقياً بالنسبة إلى بيوت الموضة قد يلتهم مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات خلال دقائق، على أمل أن يتحول المشهد إلى تغطية إعلامية، ومشاهدات على شبكات التواصل الاجتماعي، وزيارات للمتاجر، وفي النهاية مبيعات. ويقول ياسر غريب، خبير أسواق المال الدولية، إن حساب العائد على الاستثمار (Return on Investment – ROI) في عروض الأزياء أكثر تعقيداً من طرح تكلفة الإنتاج من قيمة الملابس المباعة؛ فجزء كبير من العائد يأتي في صورة قيمة إعلامية وبناء للعلامة التجارية، وقد لا يظهر في الإيرادات إلا بعد شهور. تكشف بيانات (Vogue Business) حجم الرهان المالي، فقد بلغت تكلفة أحد عروض علامة (Jordanluca) في عام 2024 نحو 200 ألف جنيه إسترليني، بعدما لم تتجاوز ميزانية أول عروضها 60 ألف جنيه إسترليني، بينما استحوذ المكان والإنتاج وحدهما على نحو 80 ألف جنيه في أحد المواسم. وقالت العلامة إن الانتقال من لندن إلى ميلانو رفع التكاليف بشدة، في وقت قد ترفع فيه القاعات الباريسية أسعارها بما يصل إلى 300% أثناء أسبوع الموضة. وتضيف (Vogue) أن تكاليف المواقع ارتفعت في المتوسط بنحو 20% منذ جائحة كوفيد-19، فيما يمكن أن يستهلك اختيار العارضين نحو 20% من ميزانية بعض العلامات، أما بالنسبة إلى علامة (Zomer)، فقد شكّل المكان واختيار العارضين معاً نحو 60% من تكاليف العرض. هذه الأرقام تفسر لماذا يصبح القرار أصعب بالنسبة إلى العلامات الصغيرة، حيث قدّرت (Business of Fashion) سابقاً تكلفة عرض أساسي في نيويورك بين 100 ألف و300 ألف دولار، بينما يمكن للعروض الضخمة الوصول إلى ملايين الدولارات، مع صعوبة ربط الإنفاق مباشرة بعائد مالي محدد. ويرى خبير أسواق المال أن المقياس الأقرب إلى حساب العائد الفوري ليس المبيعات، بل ما يُعرف قيمة تأثير الإعلام بـ(Media Impact Value) أو (MIV)، وهو مؤشر تطوره (Launchmetrics) لتحويل الانتشار في الصحافة والمنصات الاجتماعية والمشاهير والمؤثرين إلى قيمة مالية قابلة للمقارنة. وتشير بيانات (Launchmetrics) إلى أن أسبوع باريس لموسم ربيع وصيف 2024 ولّد نحو 499 مليون دولار من القيمة الإعلامية عبر 74.6 ألف ظهور إعلامي، مقابل 329 مليون دولار لميلانو. وجاء أكثر من نصف القيمة الإعلامية في باريس، البالغة 269 مليون دولار، من Instagram وحده.وتوضح البيانات مدى أهمية توزيع الميزانية خارج المنصة نفسها، فخلال أسبوع نيويورك لموسم ربيع وصيف 2025، حققت (Vogue US) نحو 15.8 مليون دولار من قيمة تأثير الإعلام (MIV)، بينما ولّدت ملكة الجمال والمؤثرة بيا وورتزباخ 6.8 مليون دولار، منها 1.4 مليون دولار لصالح (Carolina Herrera). وفي أسبوع ميلانو للرجال لخريف وشتاء 2026، حققت عودة (Ralph Lauren) إلى المنصة الرجالية 28 مليون دولار من قيمة تأثير الإعلام (MIV)؛ وأسهم حضور مجموعة من المشاهير وحدهم بملايين الدولارات من القيمة الإعلامية، بحسب (Launchmetrics). وبمعنى آخر، قد يكون السؤال بالنسبة إلى المدير المالي ليس "كم بعنا ليلة العرض؟"، وإنما "كم كان سيكلف شراء المستوى نفسه من الانتشار عبر الإعلانات التقليدية؟". يقول غريب "المشكلة أن القيمة الإعلامية ليست إيراداً، وحتى الحملة الأكثر تداولاً قد تفشل في دفع المستهلك إلى الشراء". قدمت (Gucci) في أيلول (سبتمبر) 2025 تجربة أقرب إلى قياس العائد المباشر، بدلاً من انتظار شهور بين العرض ووصول الملابس إلى المتاجر، طرحت الدار قطع مجموعة (Demna) الجديدة فور ظهورها في عدد محدود من المتاجر. وارتفعت الزيارات الأسبوعية إلى متجر (Gucci) في (Rodeo Drive) بلوس أنغلوس 53% بعد العرض، وزادت 19% في متجر (Wooster Street) بنيويورك، فيما سجلت زيارات متاجر العلامة الأميركية أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع خلال عطلة نهاية الأسبوع التالية للإطلاق، وفق رويترز. وأشار خبراء استطلعت رويترز آرائهم إلى القيد الأساسي في تحليل (ROI)، وهو أن زيادة الحركة لا تعني بالضرورة زيادة المبيعات بالقيمة نفسها، إذ قال مستشارون إن الحملة نجحت في رفع الحديث عن غوتشي، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى إيرادات مستدامة ظل بحاجة إلى إثبات. وتظهر تجربة (Tommy Hilfiger) التاريخية الإمكانات والمخاطر معاً؛ فبعد أحد عروض نموذج (See Now, Buy Now) ارتفعت زيارات موقع العلامة 900% خلال 48 ساعة، لكن تحليلاً لمجموعة بورصات لندن لنموذج لاحق وجد أن أربعة منتجات فقط من أصل 147 طُرحت عبر الموقع نفدت بالسعر الكامل، أي قرابة 3%. العرض المربح ليس بالضرورة الأغلى وبحسب خبير أسواق المال فتشير الأرقام إلى أن العلاقة بين تكلفة العرض وعائده ليست خطية؛ فزيادة الإنفاق على الموقع والديكور لا تضمن انتشاراً أو مبيعات أكبر؛ بينما قد يحقق مقعد و