من عروض الأزياء التي تتفاعل مع حركة العارضين، إلى ملابس تُصمَّم رقمياً وتُطبع وفق الطلب، بدأت التكنولوجيا تغيّر طريقة ابتكار الأزياء وإنتاجها وشرائها. تجارب المصممين وأبحاث المحاكاة الثلاثية الأبعاد تكشف عن أدوات تمنح الصناعة إمكانات جديدة، وتطرح في المقابل أسئلةً بشأن حدود الإبداع البشري، وجدوى الإنتاج الرقمي، والأثر البيئي لهذه التحولات. الذكاء الاصطناعي يعيد رسم حدود التصميم قبيل أسبوع الموضة في نيويورك خلال أيلول/سبتمبر، تعاونت "غوغل" مع المصممين جين وايد وسيرجيو هدسون على تطوير واختبار أداتين للذكاء الاصطناعي. الأولى تتيح تنسيق الملابس والأقمشة والإكسسوارات رقمياً، والأخرى تحاكي منصات العروض والإضاءة قبل تنفيذها. وتكشف التجربة، التي تناولتها مجلة "فوغ"Vogue ، عن دور جديد للتكنولوجيا في اختصار مراحل التجريب، إذ يستطيع المصمم اختبار خيارات متعددة قبل الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، من دون الاستغناء عن القياس والتصوير الاحترافي. في لندن، قدّم المصور نيك نايت تجربة تفاعلية على منصة العرض، بالتعاون مع "إتش آند إم" (H&M) واستوديو "شوستوديو" (SHOWstudio). واستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويل الصور والرسوم الثابتة إلى أفلام أزياء تتغير استجابة لحركات العارضين والجمهور، وفق مجلة "فوغ" (Vogue). هنا، أصبحت التقنية جزءاً من العمل المعروض، بعدما كانت أداة لتحضيره. وهي تجربة تفتح نقاشاً بشأن حقوق الصور الأصلية وحدود مساهمة الخوارزميات في الإنتاج الإبداعي. من خيال المصمم إلى خطوط الإنتاج بعيداً من منصات العروض، يمتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مراحل تطوير الملابس التي تسبق الإنتاج. وتقدّم منصة "أبوجي" (Apogy)، التي أطلقتها شركة "ليكترا" (Lectra)، نموذجاً لهذا الاستخدام، عبر جمع بيانات المنتجات وربط الفرق والعمليات في بيئة رقمية واحدة. وتستخدم المنصة وكلاء ذكاء اصطناعي لدعم القرارات وأتمتة المهام خلال تطوير المنتجات، وفق الشركة. غير أن قياس أثرها الفعلي في الإنتاجية يتطلب نتائج تشغيلية تتجاوز قدراتها المعلنة. الواقع المعزز ينقل غرفة القياس إلى العالم الرقمي فتصل التغييرات إلى تجربة المستهلك نفسه، مع تطوير تطبيقات تحاول نقل تجربة ارتداء الملابس إلى الشاشة. وتبحث دراسة نشرتها دورية "Humanities and Social Sciences Communications" في تأثير خصائص تجربة المستخدم في تطبيقات القياس الافتراضي المدعومة بالواقع المعزز على التفاعل والرغبة في مواصلة استخدامها. لكن عرض قطعة ملابس على صورة رقمية لا يضمن ملاءمتها للجسم. إذ تبقى محاكاة حركة الأقمشة وتفاصيلها من المسائل التقنية التي يسعى الباحثون إلى معالجتها. وفي هذا السياق، طوّر باحثون نظام "NP-MetaGS"، الذي يجمع التصيير العصبي والمحاكاة الفيزيائية لإنشاء ملابس ثلاثية الأبعاد انطلاقاً من صورة واحدة. وأظهرت التجارب تحسناً في إعادة بناء الملابس ومحاكاة تشوه الأقمشة والتصادمات، لكنها اقتصرت على أربعة أنواع من الأقمشة، ما يترك مسألة تعميم النتائج على ظروف الاستخدام الواقعية مفتوحة. الطباعة الثلاثية الأبعاد تختبر نموذجاً مختلفاً للتصنيع إذا كان الذكاء الاصطناعي يغيّر أدوات التصميم، فإن الطباعة الثلاثية الأبعاد تتيح اختبار طرق مختلفة لإنتاج الملابس نفسها. وتعمل المصممة دانيت بيليغ، بالتعاون مع شركتي "كولور فاب" colorFabb و"ألجينيسيس لابز"Algenesis Labs ، على تطوير ملابس مطبوعة باستخدام مواد حيوية مشتقة من الطحالب والقنب وزيت الخروع. وبحسب مجلة "Specialty Fabrics Review"، يجمع المشروع التصميم الرقمي والذكاء الاصطناعي والطباعة الثلاثية الأبعاد لإنتاج ملابس حسب الطلب، باستخدام مواد يقول مطوروها إنها لا تتحلل إلى جسيمات بلاستيكية دقيقة. وتكمن أهمية التجربة في إمكان الانتقال من تصنيع كميات مسبقة إلى إنتاج قطع مرتبطة بطلب المستهلك، وإن كانت الجدوى التجارية والبيئية لهذا النموذج لا تزال بحاجة إلى إثبات مستقل. صناعة الأزياء أمام اختبار التحول التكنولوجي تمنح هذه التقنيات المصممين أدوات أوسع للتجريب، وتتيح للمستهلكين وسائل جديدة لمعاينة الملابس، وتطرح أمام المصانع خيارات إنتاج مختلفة. لكن تقليل العينات المادية أو استخدام مواد حيوية لا يكفي وحده لإثبات الاستدامة، من دون احتساب الطاقة المستهلكة وعمر المنتج وإمكان إعادة تدويره. وبقدر ما تتقدم أدوات التصميم والتصنيع، تتسع الأسئلة بشأن حقوق الملكية الفكرية ومستقبل المهن الإبداعية. فالتحول الجاري لا يتعلق بشكل الملابس وحده، بل بطريقة اتخاذ القرارات التي تقف وراء تصميمها وإنتاجها ووصولها إلى المستهلك.