لم تعد الأزياء في العالم العربي مجرد مساحة للإبداع والتصميم، بل تتحول تدريجياً إلى نشاط اقتصادي تتقاطع فيه العلامات المحلية مع التصنيع والاستثمار والتجارة وسلاسل التوريد، مدفوعة باتساع الطلب وتطور الأسواق وقنوات البيع. ويعكس نمو السوق الإقليمي حجم الفرصة المتاحة، إذ يقدر تقرير "Cognitive Market Research"، حجم سوق الأزياء في الشرق الأوسط وأفريقيا بنحو 14.85 مليار دولار في 2024، مع توقعات بنمو سنوي مركب يبلغ 7.7% حتى 2031، فيما يقدر حجم سوق الأزياء في دول مجلس التعاون بنحو 6.36 مليار دولار، مع نمو سنوي مركب يقارب 8.5% خلال الفترة نفسها، ما يبرز أهمية الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية، في مشهد النمو الإقليمي. لكن اتساع الطلب لا يعني اكتمال المنظومة، فانتقال المصمم من الفكرة إلى المنتج يتطلب التمويل والخامات والتصنيع والجودة والتسعير والوصول إلى الأسواق، ومن هنا تبرز أهمية التصنيع الإقليمي، بما يتيح للعلامات الناشئة الاستفادة من القدرات المتاحة في أكثر من سوق عربي. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي أحمد عادل في تصريحات خاصة، أن العالم العربي يمتلك مقومات متكاملة لاقتصاد الأزياء، من المواهب والتصميم والحرف إلى التصنيع والأسواق والتمويل والتوزيع، مشيراً إلى أن نمو الطلب المحلي والإقليمي يتيح للقطاع أن يصبح رافداً داعماً للاقتصادات العربية، مع أهمية توزيع مراحل صناعة الأزياء بين الأسواق وفق قدراتها والمصانع المتوافرة فيها. وتتضح فرص هذا التكامل في اختلاف أدوار الأسواق العربية، فالإمارات، ولا سيما دبي، تمثل إحدى الحلقات المهمة في الوصول إلى المشترين والأسواق والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الإبداعي. أسبوع الموضة في دبي لخريف وشتاء 2026 وبحسب تقرير مشترك لـ«Business of Fashion» و«Dubai Design District»، يُتوقع أن ينمو سوق الأزياء في الإمارات بمعدل سنوي مركب يبلغ 5% حتى 2030، مقارنة بـ3.7% عالمياً، مدعوماً بفعاليات كبرى مثل أسبوع دبي للموضة وأسبوع دبي للتصميم. كما تضيف السعودية ثقلاً واضحاً بحجم سوقها واستثماراتها، إذ ارتفعت مساهمة صناعة الأزياء في الناتج المحلي إلى 2.5% في 2023 مقابل 1.4% في العام السابق، ويوفر القطاع أكثر من 320 ألف وظيفة. ويُقدر حجم السوق بنحو 30 مليار دولار في 2023، مع توقعات ببلوغه 42 مليار دولار في 2028، وفق تقرير «حالة قطاع الأزياء في المملكة 2024» الصادر عن هيئة الأزياء السعودية، بالتزامن مع برامج لدعم المواهب والعلامات المحلية عبر الحاضنات والمسابقات الوطنية. وفي السياق ذاته، تبرز لبنان بقاعدتها الصناعية والإبداعية كأحد مكونات منظومة الأزياء الإقليمية، حيث تعمل وزارة الصناعة على تمكين الكفاءات ورواد الأعمال ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز الصادرات، وبحسب بيانات الوزارة لعام 2025، يضم القطاع الصناعي أكثر من 7 آلاف مؤسسة توفر ما يزيد على 250 ألف وظيفة، وتتجاوز صادراته 3 مليارات دولار سنوياً، وهي أرقام تخص إجمالي القطاع الصناعي وليس قطاع الأزياء وحده. أما مصر، فتجمع بين حجم السوق وقاعدة إنتاجية كبيرة وخبرة طويلة في صناعة النسيج، ما يؤهلها للعب دور محوري في التصنيع الإقليمي، كسوق وقاعدة إنتاج تخدم علامات المنطقة، إذ يقدر «Cognitive Market Research» حجم سوق الأزياء المصري بنحو 1.56 مليار دولار، مع توقعات بنمو سنوي مركب يبلغ 8% حتى 2031. وعلى صعيد الصادرات، نما نشاط الملابس الجاهزة بنسبة 17% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، وفق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي. ويرى الخبير الاقتصادي أحمد عادل أن تحويل هذه المقومات إلى صناعة أزياء عربية أكثر ترابطاً يتطلب توسيع التصنيع المرن، وتيسير التمويل أمام العلامات الناشئة، وربط المصممين بالمصانع وموردي الخامات بالأسواق، إلى جانب تطوير الأسواق المهارات والتكنولوجيا ومعايير الجودة وتحسين اللوجستيات والتوزيع وفتح قنوات أوسع للتصديربين الدول العربية.