يدٌ ممدودة نحو التفاوض، وقدرات دفاعية حاضرة لحماية المصالح. بهذه المعادلة، أعلنت الحكومة الإيرانية أنها ستواجه العقوبات والضغوط الأميركية عبر مسارين متوازيين، بالتزامن مع تحركات إقليمية لإعادة فتح باب الدبلوماسية مع واشنطن. وتعهدت الحكومة الإيرانية، السبت، بمواجهة العقوبات الأميركية وما وصفته بـ«المؤامرات الأميركية الإسرائيلية»، مؤكدة استمرارها في الجمع بين التحرك الدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية، في وقت تتفاقم فيه الضغوط الاقتصادية على طهران. وقالت الحكومة، في بيان نقلته وسائل الإعلام الرسمية ووكالة «رويترز»، إن «الدبلوماسية والدفاع» أداتان متكاملتان ومنسقتان لا يمكن الفصل بينهما عند حماية المصالح الوطنية والأمن ووحدة الأراضي الإيرانية. وأكدت أنها ستواصل العمل على المسارين بالتوازي، فيما وضعت مكافحة التضخم وتوفير فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الدولار تدريجيًا ضمن أولوياتها الاقتصادية. وجاء البيان بعد يوم من إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إعادة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة إلى مسارها ليست مستحيلة، مشترطًا أن تدرك واشنطن، وفق تعبيره، أن سياسة الضغط لن تحقق أهدافها. ودعا عراقجي الولايات المتحدة إلى بناء الثقة والتحدث باحترام والاعتراف بحقوق إيران والوفاء بالتزاماتها، وذلك عقب محادثات أجراها في طهران مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وتتحرك قطر لإعادة فتح المسار السياسي وإنهاء الحرب، فيما أكد رئيس وزرائها أهمية العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل اندلاعها، بما يشمل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وبالتزامن مع الرسائل الموجهة إلى الخارج، كثّفت السلطات الإيرانية دعواتها إلى حماية الوحدة الداخلية ومنع الاستقطاب، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار والتضخم والبطالة. وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن تأكيد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ضرورة منع أي عمل يضر بالتماسك الاجتماعي يمثل «استراتيجية واضحة لا تقبل التأويل بالنسبة إلى الجميع». وأضاف رضائي، وفق ما نقلته وكالة «مهر»، أن دعوة خامنئي إلى تجنب الخطاب المحبط وعدم خلق «استقطابات وهمية» تنطلق من اعتبار الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي من أبرز مرتكزات القوة والأمن القومي. وكان خامنئي قد وجّه، الجمعة، رسالة مكتوبة دعا فيها المسؤولين إلى تجنب التصريحات التي يمكن أن تضعف الدافعية الوطنية والعامة، محذرًا من أن التركيز على نقاط الضعف قد يخدم خصوم إيران. كما أشاد بأداء حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، لكنه طالبها في الوقت نفسه بمعالجة التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار، وتعزيز الاستثمار والإنتاج المحلي. وتأتي الرسالة وسط استمرار غياب خامنئي عن الظهور العلني، فيما يواصل الإعلام الإيراني نشر مواقف وبيانات مكتوبة منسوبة إليه، ما يبقي التساؤلات قائمة بشأن وضعه الصحي وطريقة إدارته شؤون البلاد. وتواجه إيران في المقابل حملة ضغط أميركية متصاعدة تجمع بين العقوبات المالية والحصار البحري والتحركات العسكرية في مضيق هرمز. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها غيّرت، حتى 28 آب، مسار 82 سفينة تجارية في إطار تطبيق الحصار، كما زعمت أنها عطّلت 3 سفن وصعدت على متن سفينتين أخريين لضمان الامتثال. وأعلنت واشنطن أيضًا إزالة الألغام البحرية من الممرات الدولية في مضيق هرمز، مؤكدة أن قدرتها على تأمين حركة الملاحة تحسنت بصورة كبيرة. وترى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن التقدم في المضيق يمنحها أوراق ضغط إضافية يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية مع طهران، خصوصًا مع تراجع حركة السفن وتشديد القيود على الصادرات الإيرانية. أما الحكومة الإيرانية، فتسعى إلى تخفيف أثر الضغوط الخارجية عبر دعم الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الدولار تدريجيًا، بالتوازي مع محاولات احتواء التضخم وتحسين سوق العمل وتأمين احتياجات المواطنين. وتكشف الرسائل الإيرانية الأخيرة عن استراتيجية متعددة الجبهات: إبقاء باب التفاوض مفتوحًا من دون التخلي عن القدرات الدفاعية، وتعزيز التماسك الداخلي، ومحاولة حماية الاقتصاد من العقوبات والحصار. وبينما تؤكد طهران أن الدبلوماسية لا تزال ممكنة، تبقى الفجوة واسعة مع واشنطن، التي تراهن على العقوبات والحصار وتغيير ميزان القوة في مضيق هرمز لدفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر في أي جولة تفاوضية مقبلة.