ج. م. كوتزي: كاتب غاب عن الأضواء وحضر في الأسئلة أمضى ج. م. كوتزي (J. M. Coetzee) معظم حياته يفعل ما يبدو شبه مستحيل لكاتب مشهور: رفض أن يكون من المشاهير. وحتى بعد حصوله على "جائزة نوبل للآداب" عام 2003، لا يزال إلى اليوم بعيدًا عن صخب الشهرة الأدبية. ربما يعود ذلك إلى أنّ كتبه مبنية على اللغز نفسه. تتساءل رواياته مرارًا وتكرارًا عما يحدث عندما يحاول شخص ما وصف شخص آخر. من له الحق في رواية القصة؟ من يملك الذاكرة؟ وهل يمكن للأدب أن يمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، أم أن التحدث نيابةً عن الآخرين لا يعدو كونه شكلا آخر من أشكال السلطة؟ وُلد جون ماكسويل كوتزي (John Maxwell Coetzee) في 9 شباط 1940 في كيب تاون، بجنوب أفريقيا، التي كانت تعاني من الانقسام العنصري والتمييز. وأصبح نظام الفصل العنصري رسميًا عندما كان في الثامنة من عمره. درس الرياضيات واللغة الإنكليزية في "جامعة كيب تاون" قبل أن يغادر جنوب أفريقيا إلى بريطانيا، حيث عمل مبرمجًا للحاسوب. انتقل لاحقًا إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث نال درجة الدكتوراه بأطروحة عن صموئيل بيكيت، الكاتب الذي كانت اللغة والصمت وعبثية الوجود عناصر أساسية في أعماله. منذ البداية، اهتم كوتزي بالعلاقة بين اللغة والهيمنة. لم يكتفِ بوصف العنف السياسي، بل أراد دراسة الأفكار والسرديات التي تجعل العنف ممكنًا. ففي رواية "في انتظار البرابرة" (Waiting for the Barbarians)، التي نُشرت عام 1980، تصبح إمبراطورية مجهولة الهوية مهووسة بشكل متزايد بالشعوب التي تعيش خارج حدودها. فيُخترع العدو، فتُبرر المراقبة، ويتولّد الشك، ثم يأتي العنف ليصبح بدوره دليلا على خطورة العدو. يكمن إنجاز كوتزي في عرض هذه الآلية من دون تحويل الرواية إلى منشور سياسي. فهو لا يعطي القارئ أبدًا شعورًا بالاطمئنان إلى أنّ الرمزية قد فُكّت شيفرتها بالكامل. كان كوتزي يكتب عن جنوب أفريقيا، لكنه كان يكتب أيضًا عن شيء أقدم وأوسع بكثير من نظام الفصل العنصري. كان يكتب عن تعطّش الإنسان إلى السلطة والقدرة الاستثنائية للمؤسسات على تحويل الخوف إلى أخلاق. بعد ثلاث سنوات، صدرت رواية "حياة وأزمنة مايكل ك" (Life & Times of Michael K)، التي فازت بـ "جائزة بوكر" عام 1983. في عالم يسعى إلى تصنيف كل فرد، يصعب السيطرة على من يرفض التصنيف. إنها فكرة متكررة في أعمال كوتزي: أحيانًا يكون الفعل الأكثر جذرية هو الصمت، أي رفض اللغة المفروضة على المرء. ازدادت رواياته إثارة للجدل بصدور رواية "العار" (Disgrace) عام 1999. فازت الرواية بـ "جائزة بوكر"، ليصبح كوتزي أول كاتب يحصل على الجائزة مرتين. "ديفيد لوري"، الشخصية المحورية في الرواية، أستاذ جامعي تنهار مسيرته المهنية بعد علاقة غرامية مع إحدى طالباته. يلجأ إلى مزرعة ابنته "لوسي"، حيث تتشابك أزمته الشخصية مع قضايا العنف والعرق والأرض والسلطة. لا يقدّم كوتزي فصلا بسيطًا بين البريء والمذنب. شخصياته متداخلة، وتاريخها متشابك. لم يمحُ التحوّل السياسي في جنوب أفريقيا آثار الماضي. فالحرية السياسية لا تنتج وضوحًا أخلاقيًا تلقائيًا، والتاريخ لا يختفي بانتهاء النظام، كما أن الذنب نادرًا ما يمكن توزيعه وفق تصنيفات بسيطة. إحدى أبرز رواياته، "العدو" (Foe)، التي نُشرت عام 1986، تعود بالقارئ إلى عالم "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو. لكن كوتزي يغيّر محور القصة. تحاول امرأة تُدعى "سوزان بارتون" سرد القصة، ويرغب الكاتب دانيال فو في صياغتها في كتاب. لكن كيف يمكن لأحد أن يروي قصة "فرايدي" إن لم يستطع "فرايدي" نفسه سردها؟ يدّعي الكاتب أنه يعطي صوتًا لمن لا صوت له. لكن من يقرّر ما يقوله هذا الصوت؟ يستطيع المستعمر أو المؤرخ أو الروائي أن يتحدث عن الآخر، لكن الشخص المصوَّر قد يختفي مرة أخرى تحت وطأة لغة من يتحدث عنه. في روايتَي "حياة الحيوانات" (The Lives of Animals) و "إليزابيث كوستيلو" (Elizabeth Costello)، يواجه كوتزي مسألة ما إذا كان التفوق الفكري للبشرية يعطيها الحق في معاملة أشكال الحياة الأخرى كما تشاء. تصبح "إليزابيث كوستيلو"، الروائية الخيالية التي ابتكرها كوتزي، إحدى أكثر شخصياته الأدبية إثارة للجدل. فهي تلقي المحاضرات، وتجادل، وتثير الجدل، وتزعزع استقرار القارئ. تتحدث عن الحيوانات وقدرة الإنسان على تبرير المعاناة. وقد أثارت حججها جدلا فلسفيًا واسعًا، لا سيّما عندما أجرت مقارنات بين الذبح الصناعي للحيوانات والمحرقة النازية. لا يبحث كوتزي عن معادلة سهلة بين واقعين تاريخيّين، بل يزعزع راحة القارئ الأخلاقية بفكرة أكثر رعبًا، وهي أنّ البشر قد يدركون قسوتهم ويستمرون فيها رغم ذلك. يبدو أسلوب كوتزي متحفظًا حتى عندما يكون الموضوع مؤلمًا. لا يفرض على القارئ غضبًا أو دموعًا، بل يتركه وحيدًا مع ما حدث. وقد يبدو هذا برودًا عاطفيًا، لكنه يمكن