"رحلات مدن" لجميل ملاعب: أرسم الزمن من خلال محاكاة المكان يحاول الفنان التشكيلي جميل ملاعب، في معرضه الجديد "رحلات مدن" في "غاليري جانين ربيز" - الروشة، أن يرسم الزمن في تجربة تلخّص التوثيق البصري للثقافات في العواصم والمدن، من خلال 60 لوحة لأكثر من 30 بلدًا. وهي تجربة تنطوي على انحياز فعلي ومباشر إلى محاكاة المكان نفسه وروحه وناسه على أرض الواقع، امتد من سبعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا. بهذا التعريف، انطلق ملاعب في حديثه مع "نداء الوطن" عن معرضه، محاولا اختصار لغته البصرية الخاصة في الرسم، التي تمتد على 54 عامًا، في حركة الألوان والخطوط، مضيفًا أنه يمنح كل لوحة عمقًا وحركة حية وعفوية للمدينة، ما ينعكس مباشرة على تلقي المشهد البصري للمدينة. في جولة على المعرض، تبدو اللوحات "حبلى" بتفاصيل النسيج العمراني والإنساني لرحلات ملاعب، التي ينصهر فيها التراث والعمارة الحديثة مع هويته الفنية المستمدة من الفن المصري القديم والسومري والبابلي. وتتنقل اللوحات بين الأبراج الشاهقة في مدينة نيويورك وشوارع موسكو وبيوتها، فمدن زوريخ وباريس والفاتيكان وعواصم أوروبية عدة، وصولا إلى انعكاس مميز للبساطة على شواطئ البحرين والمغرب العربي، مرورًا بالصين التي تحضر بخلفية من اللون الأحمر، تذكّرنا للمرة الألف بهويتها الاشتراكية، مع نماذج لحركة منضبطة ومتراصة لناسها. وتصلح هذه اللوحات لأن تُدرج فصلا من فصول مادة الثقافة العامة للجيل الناشئ عن تاريخ هذه المدن "الحية" بناسها وعمارتها وخصوصيتها، وهي مصدر الإلهام الحي والمباشر لريشة ملاعب نفسه. لكن ماذا عن لبنان والدول العربية؟ لوحاته عن لبنان "كثيفة" بالتفاصيل وبعشقه لبلدته بيصور، التي تشكّل محطة مهمة في ماضي جميل ملاعب وحاضره، ونقطة ارتكاز لإنجازه سلسلة أعماله عن مدن بلده. ويعيش ملاعب حبًا للعاصمة بيروت، التي خصّها في المعرض بثلاث لوحات. توجّهنا معًا نحو اللوحة الأولى، ذات الخلفية الترابية، وهي تضج بأكثر من موضوع. يرسم فيها محطات بأسلوب المنمنمات أو الفسيفساء، التي لا تحكي فقط قصصًا عن القلاع التاريخية والأمكنة، بل تواكب ناسها أيضًا، كما هي الحال في مدن مثل دير القمر وصور وصيدا وسواها. ورصدنا في اللوحة حركة العاصمة ومعالمها: المرفأ، وصخرة الروشة، والمنارة، وساحة البرج، والجَمَل كوسيلة للتنقل قبل اختراع السيارة، والسوق القديمة وبائع "المهلبية" في القصة نفسها، والمتحف الوطني، وقربه إليسا، ومطار بيروت، والبيت الزهر، وبرج المر، والسرايا القديمة. تشكّل ضربات ريشة الفنان، من دون أي تردد، همزة وصل بين حكايات العاصمة نفسها، بقالب خاص يتسم بوضوح اللون والضوء المشرق... ولبيروت لوحة أخرى بخلفية زرقاء اللون، كبحر المدينة وذبذباتها الإيجابية العصية على الانكسار. المدينة بسيطة، لا تسكنها كثافة المشاهد والقصص، بل يجتاحها الأزرق النقي كوجه بيروت الآتي. وتتصدرها طائرة تشق طريقها من سماء بيروت إلى مطارها. لا توحي اللوحة بالغربة الموحشة عن المدينة بحد ذاتها، بل برغبة واضحة في ترسيخ الانتماء إلى لونها الأزرق، وإلى سكونها، وإلى نقائها الروحي. ويتبدل المشهد عن بيروت في لوحة جديدة توثّق، في وسطها، انفجار المرفأ وصمود العاصمة في وجه محاولة اغتيالها واغتيال ناسها. نستخلص أن لبنان بلد جميل، وأن مدينته وقراه كلّها تعبق بمشاهد عابرة من المخيّلة إلى واقعنا. نادانا ملاعب لمشاهدة لوحة عن بعلبك، بدءًا من قلعتها، وصولا إلى معبد باخوس وقصة معبد جوبيتر وزخرفة الأعمدة... خط مستقيم في الكتابة التشكيلية يحكي قصصًا عن مدينة بعلبك وناسها. كل شيء يعيدنا إلى شوقنا لرائحة مناقيش الزعتر على التنور في بعلبك، والرقص والموسيقى والحرية هناك. أسقط جميل ملاعب طوعًا جواز السفر ليستلهم رسمًا مباشرًا لمدن عربية عشقها وعشقته على طريقته، بدءًا من معالم القدس ودمشق وحلب والسويداء والجزائر وبغداد والقاهرة والإسكندرية وسواها، ليتساوى فيها جمال المدن كما عاشها لحظة بلحظة، مع ما رافق ذلك من رمزية لإنسانية الأمكنة وناسها، وتزاوج الحداثة مع التراث. ينكبّ ملاعب على إبراز خلاصة رحلاته في أقطار العالم، متألقًا في أعمال "حيّة" تضج بحوار بين المكان والفنان والمتلقي، ما جعل اللوحة قابلة لتخطّي اللحظة في أمكنة تعمّم، ببساطتها، معاني عميقة جدًا لدور الإنسان ومجتمعه ونمط تعامله مع الماضي والحاضر والمستقبل. *معرض "رحلات مدن" لجميل ملاعب مستمر حتى الثلثاء 20 تشرين الأول 2026، في الطبقة الأرضية لـ "غاليري جانين ربيز" - الروشة، بيروت.