قوافل عين إبل ودبل ورميش: الالتزام يختصر الانتظار الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي من دبل وعين إبل ورميش إلى بيروت، والعكس صحيح. مواكب يومية أو أسبوعية، بحسب الظروف. رحلة، حوّلتها الحرب والواقع الميداني إلى مسار شاق. باتت هذه البلدات مرتبطة ببقية لبنان عمليًا عبر شريان واحد يمرّ من صور باتجاه الناقورة، ثم يتابع نحو الشريط الحدودي، ضمن قوافل منظّمة مسبقًا. وتفرض آلية العبور تسجيل أسماء الأشخاص وبيانات السيارات قبل موعد القافلة، فيما بات توقيت الرحلة ومدة الوصول مرتبطين بالوضع الأمني وإجراءات التنسيق. منذ بداية الحرب، اتخذ أهالي رميش وعين إبل ودبل قرارًا بالبقاء في أرضهم، على الرغم من العزلة والمخاطر والأذى الذي طال البشر والحجر، وسقوط ضحايا، فضلا عن صعوبة تأمين أبسط مقومات الحياة. وبقي آلاف الأشخاص في القرى الثلاث، فيما أُفرغت مساحات واسعة من المنطقة الحدودية من أبنائها. ومع الوقت، تحولت القوافل إلى الوسيلة الأساسية للإبقاء على التواصل بين من بقي في القرى ومن اضطر إلى الانتقال إلى بيروت ومناطق أخرى. وفي قراءة مصدر أمني مطلع، يشكّل هذا الصمود الورقة الأقوى في يد الدولة للحفاظ على حضور لبناني في المنطقة الحدودية، ومنع تحوّلها إلى أرض محروقة وفارغة من سكانها. كما يمكن لهذا النموذج، إذا تطورت الظروف السياسية والأمنية، أن يشكّل مدخلا لعودة أهالي سائر القرى الجنوبية، شيعية كانت أم مسيحية أم مختلطة. هذا الصمود لم يبقَ من دون صدى خارجي، إذ تحرك الفاتيكان منذ الأشهر الأولى على أكثر من مستوى، ورعى السفير البابوي، المطران باولو بورجيا، قوافل مساعدات إلى القرى الثلاث. كما شاركت "كاريتاس" و"مؤسسة الشرق" الفرنسية في تأمين المساعدات، في ظل اهتمام دولي متزايد بمنع إفراغ هذه البلدات من سكانها. ولولا قرار الأهالي بالبقاء، لكان المشهد في تلك الناحية مختلفًا جذريًا. وجودهم اليوم هو الذي يبقي البيوت والكنائس والطرقات والبلديات حيّة بلحمها الحيّ. وهو أيضًا ما استدعى اهتمام الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية ومنظمات دولية بالحفاظ على هذه القرى. في هذا السياق، يشير مصدر دبلوماسي غربي مهتم بالشؤون المسيحية واللبنانية لـ"نداء الوطن" إلى نقطة مهمّة وهي، أن صعود التيار المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة، واهتمامه المتزايد بقضايا المسيحيين في العالم، باتا عاملين مؤثرين في هذا الملف. ويضيف: "هذا التيار، وإن كان قديم الحضور والتأثير في الولايات المتحدة، فإن التطور اللافت يتمثل في انتقاله إلى ممارسة ضغوط أكثر وضوحًا على إسرائيل، وانتقادها علنًا حيال أي خطوات قد تهدد الوجود المسيحي. كما بات هذا الصوت أكثر حضورًا وفاعلية داخل الحزب الجمهوري، مستندًا إلى وزن انتخابي مؤثر. وتشكّل هذه العوامل رافعة مهمّة للجهود الرامية إلى الحفاظ على القرى المسيحية الجنوبية ووجود أهلها فيها". بالعودة إلى القوافل، فهي، بطبيعة الحال، لا تخلو من الصعوبات. وفي الآونة الأخيرة، سرت أقاويل عن عراقيل توضع أمام الأهالي، وعن تأخير يحصل عند الحواجز اللبنانية. غير أن مصدرًا مطلعًا يوضح لـ"نداء الوطن" أن المشكلات التي تعتري هذا المسار ترتبط، في حالات عديدة، بآلية التنسيق ومدى التزام العابرين بالتعليمات المطلوبة. فالأسماء وبيانات السيارات يُفترض أن تُسجّل مسبقًا لدى البلديات واللجان المولجة تنظيم القوافل. وتبرز المشكلة عندما يلتحق بالقافلة أشخاص لم يسجّلوا أسماءهم مسبقًا، أو حين لا تتطابق بعض البيانات مع اللوائح المعتمدة، ما يستدعي تدقيقًا إضافيًا قد يؤخر القافلة لساعات عند الحواجز. أما عندما يلتزم الأهالي بالإجراءات والترتيبات المطلوبة، ولا سيما تسجيل الأسماء والسيارات مسبقًا، فتكون عملية العبور أسرع بكثير، وقد لا تستغرق أكثر من نصف ساعة. ويشدد المصدر على أن الجيش اللبناني حريص كل الحرص على تنظيم المواكب وتسهيل شؤون الأهالي، باعتبار أن ذلك مصلحة وطنية، لافتًا إلى أن التدقيق في الأسماء والسيارات يندرج ضمن مسؤولية أمنية لا يمكن تجاوزها. فمن يدخل إلى منطقة ذات وضع أمني استثنائي، يجب أن تكون هويته معروفة ومسجّلة، لا بهدف تعقيد حركته، بل لحمايته وحماية من يرافقه، ولا سيما في منطقة تشهد حوادث أمنية أو حالات احتجاز أو انقطاعًا في الاتصال أو خطفًا، كما حصل أكثر من مرة في مناطق أخرى. ومن هنا، يشدد المصدر على ضرورة التزام الجميع بإرشادات البلديات وآليات التسجيل المعتمدة، تفاديًا لأي تأخير أو إرباك في حركة القوافل.