الأجيال الجديدة لا تعرف الطريق الساحلي القديم، في ذاك المشوار من بيروت إلى صور. ولا تعرف الطريق البدائي الضيق، اللصيق بالطبيعة والوديان والهضاب، من صور إلى بنت جبيل. في تلك الطفولة البعيدة، داخل سيارة أبي المرسيدس 180 (موديل أواخر الخمسينات أو مطلع الستينات)، كانت الرحلة تبدأ حين نشعر أننا غادرنا المدينة حقاً بعد اجتياز الأوزاعي. من هناك يبدأ السهل الساحلي: بحر وتلال وقرى صغيرة متباعدة. طريق من بساتين وحقول وبسطات من خضار خرجت للتو من الأرض، ودكاكين قليلة تبيع الفخاريات والمزروعات والمنتوجات البيتية وسلال القصب. ولا بد من التوقف في صيدا. الاستراحة مع الآيس كريم والتبضع الضروري بالهدايا، خصوصاً الحلويات. ومن ثم يبدأ سحر الجنوب، تلك البساتين اللامتناهية من الموز والحمضيات، والهواء المضمخ بزهر الليمون، وصوت الموج من بعيد، وقمر نهاري يرافقنا كعين هائلة. وقفة أخرى في صور، استراحة لنا وللسيارة أيضاً، وزيارة لبيت أقارب يمنحوننا صندوقة ليمون وزجاجات ماء الزهر. البطء هو لذة الرحلة، بطء السيارات وبطء الزمن. لا أوتوستراد ولا سرعات جنونية. الطريق للاستكشاف والتأمل والدهشات الصغيرة، والنظر على مهل إلى المعالم والبيوت والأشجار والسماء، والإصغاء إلى الراديو.. بين صور وبنت جبيل كانت القرى قرى، ليست مرمية على الطريق، ليست مبنية على شاكلة عشوائية الأوزاعي، ليست اكتظاظاً باطونياً. فقيرة وجميلة في آن، ملمومة على نفسها وأسرارها ودواخلها، غامضة إلا لأهلها، نائية ومتصلة في الوقت نفسه، امتداد للطبيعة لا للزفت. وفي كل مرة، كنت أتمرن على حفظ أسمائها بترتيب تسلسلها الجغرافي على الطريق. الوصول إلى بنت جبيل يقترن بذاكرتي برائحة القمح والزعتر، ورائحة جدتي حين تغمرني، ورائحة التبغ المعلق في سقف الدار، ورائحة الحطب المصحوبة برائحة الخبز المرقوق. روائح لا تمر على الأنف بل تدخل الروح وتستقر فيها إلى الأبد. روائح الكينونة وأعماقها. وكان بيت جدي في "حاكورة" بنت جبيل، نواتها وأرومتها الأصلية. نصل ونشرب ذلك الماء من إبريق الفخار. برودته عجائبية لا تشبه برودة البراد. كأنه نبع في إبريق. التين، الرمان، القطط، الحارات الحجرية، البركة الأسطورية، بيت العمة الكبيرة وجيش أولادها، دكانة "أبو حمص" الشيوعي، الفتيات الخجولات الناظرات إلى صبي بيروت، العمة الشابة التي تدخن بالسر، جلسة السطوح قبل المغيب، العجائز الجالسين على مصطبة الجامع الكبير، الأقارب المتحلقين في صحن الدار يستمعون من أبي أخبار الحياة في العاصمة، فيما يشربون الشاي المطبوخ بـ"الاستكانة" العراقي أو الإيراني. الأولاد الأشقياء صيادو العصافير. يوم سلق القمح في الساحة بالقدور الضخمة فوق نيران الحطب. اللهجة الآتية من أزمان سحيقة. مقهى الرجال في بداية السوق. الأبقار المذبوحة المعلقة وعشرات مواقد الشواء يوم الخميس. بائعات الزعتر البري والفجل الضخم الحار. مشاوير العشاق على طريق "صف الهوا". البئر المظلم في مدخل الدار. الصمت الليلي الذي يقطعه عواء الذئاب. أضواء القرى البعيدة كأنها نجوم هبطت على الأرض. بلاطة "الفراكة" وطنجرة المجدرة الحمراء. صانعو الأحذية الذين تمتلئ أفواههم بالمسامير. رسائل عمي المغترب إلى ميشيغين يقرأها جدي على مسامع العائلة بدموع خفية. كومة الفرش والمخدات الطافحة برائحة القش. صور وأصوات من طفولتي الأولى، أخاف نسيانها. ثم جاءت الحرب سنة 1975، وكانت رحلتي بصحبة تابوت أبي من بيروت إلى مقبرة بنت جبيل الكبيرة. الرحلة الأخيرة قبل دخول إسرائيل إليها واحتلالها لأكثر من 23 سنة. خطفت الحرب طفولتي، وخطفت إسرائيل بلدتي. يوم "التحرير" عام 2000، سأدخلها كصحافي يحاول كبت مشاعره. كانت بنت جبيل القديمة قد ماتت. لكن في تلك اللحظة كان الأمل بانبعاثها يحرك روحنا. انبعاث البلاد كلها أيضاً: إنها عودة الجنوب إلى لبنان. وكنت خائفاً ومتوجساً من ما بعد الاحتفال. من يقود هذه العودة؟ كيف سيُصرف هذا "الانتصار". سنة بعد سنة، برحلات قليلة إلى الجنوب، إلى بحر صور وهضاب بنت جبيل، كانت مشاعر غربتي تنمو كأن أحداً يجزّ بسكين لا مرئي جذوري ويقتلعني بعيداً. رغم أنه كان عصراً ذهبياً للعمران والازدهار بل وللثراء أيضاً.. وكان الجنوبيون بأوج زهوهم واعتداداً بأنفسهم. جاءت صدمة حرب 2006. وعلى أنقاضها ارتفع شعار "النصر الإلهي". وبدأ زمن آخر. زمن، الجميع فيه يستخدمون العبارات نفسها، لغة واحدة تتكرر بلا ملل على لسان الجميع. باتوا كلهم كأنهم شخص واحد. كل هذا الوله بطقوس الموت، بقدسية السلاح، بجعل الدين حزباً، باحتقار أي مختلف. كان هذا يطردني من بينهم ويبعدني. وهذه المرة أدركت أن غربتي اكتملت. الذاكرة وحدها تمنع الانسلاخ. ذهبت بعد ذلك إلى بنت جبيل، مرة لأدفن أمي، ومرة لأدفن عمي. كما لو أن الصلة الأخيرة باتت فقط بالموت والمقبرة. وحين جاء