تتلاحق التقارير الدولية عن نسب الإنكماش في الاقتصاد اللبناني هذا العام نتيجة الحرب الحالية وإستمرار الأزمة المالية، فالبنك الدولي قدرها ب 6.4 بالمئة وشركة "ستاندرز أند بورز غلوبل" قدرتها ب8.6 بالمئة. ما يجدر التذكير به أن الحرب لم تكن هي التي خلقت الأزمة، بل جاءت فوق إنهيار مالي لم يُعالج أصلاً، وهذا يجعل تأثيرها أقسى، من دون أن تبادر الطبقة السياسية للقيام بخطوات جدية للخروج منها طوال السنوات السابقة، ليس السبب أنها لا تعرف الحلول بل بسبب فقدان القرار السياسي، حول من سيدفع ثمن الخسائر التي نجمت عن الانهيار المالي وكيف ستُورع. إذا لبنان خرج جزئياً من القاع في 2025 بنمو إقتصادي قارب 4.2 بالمئة، لكن الحرب في 2026 أعادت ضرب الاقتصاد، فيما يبقى الخروج الحقيقي من الأزمة مشروطاً بإعادة هيكلة المصارف، معالجة الفجوة المالية، الاتفاق مع صندوق النقد، وإعادة هيكلة الدين، مع حسم مسألة توزيع الخسائر. المشكلة لم تبدأ فقط عندما إنهارت الليرة أو احتُجزت الودائع عام 2019. النموذج الاقتصادي اللبناني كان يعتمد بدرجة كبيرة على جذب الدولارات من الخارج، ثم استخدام هذه الأموال في تمويل الدولة ومصرف لبنان والاقتصاد. وعندما أصبحت الدولة ومصرف لبنان غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهما، انعكس ذلك على المصارف، وبالتالي على المودعين، ولذلك فخسائر الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين مرتبطة ببعضها. ما هي السيناريوهات المحتملة أمامنا؟ بحسب الخبراء السيناريو الأول هو الجمود أي نبقى من دون إصلاح فعلي، لا اتفاق نهائي مع صندوق النقد، والمصارف تبقى مشلولة، وهذا يعني استمرار الأزمة. والثاني المعالجة التدريجية أي تُستكمل القوانين، يتم الاتفاق مع صندوق النقد، وتبدأ إعادة هيكلة المصارف، ويتم توزيع الخسائر تدريجياً. أما السيناريو الثالث فهو الاختراق الشامل من توافق سياسي كبير، واتفاق سريع مع الصندوق، وتدفق تمويل دولي وإقليمي وإطلاق واسع لإعادة الإعمار. يذكّر الخبير الاقتصادي الدكتور واجب قانصو، أنه "حين صنّف البنك الدولي الانهيار المالي اللبناني، منذ عام 2021، ضمن أشدّ ثلاث أزمات مالية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن ذلك توصيفاً بلاغياً بل تشخيصاً كمّياً. فالأزمة التي تفجّرت في تشرين الأول 2019 لم تكن ركوداً دورياً عابراً، بل انهياراً بنيوياً في نموذجٍ اقتصادي بأكمله؛ نموذجٍ قام لعقودٍ على استقطاب الودائع بالعملة الصعبة وتدويرها في تمويل الدَّين السيادي والإنفاق العام، بدل توجيهها نحو الاقتصاد المنتج". ويوضح ل"ليبانون ديبايت" أنه "اليوم، وبعد أكثر من ست سنوات على بدء الانهيار، يقف الاقتصاد اللبناني عند مفترقٍ حرج: فمن جهة، سجّل مؤشرات تعافٍ تقنيّ لافتة في عام 2025؛ ومن جهة أخرى، جاءت التطورات الأمنية والعسكرية لعام 2026 لتعصف بهذا التعافي الهشّ وتعيد الاقتصاد إلى الانكماش. وبالتالي فهم هذه المفارقة — بين تعافٍ لم يكتمل وانتكاسةٍ جديدة — هو مفتاح أي قراءة جادّة لمسارات الخروج". يشرّح قانصو الأزمة المالية بالقول:"من الخطأ المنهجي اختزال الأزمة اللبنانية في انهيار سعر الصرف أو في تجميد الودائع، فهذه أعراضٌ لا أسباب. البنية العميقة للأزمة تقوم على ثلاث حلقاتٍ متشابكة يعزّز بعضها بعضاً.الحلقة الأولى هي الترابط بين خسائر المصارف والدَّين السيادي. إذ تراكمت في النظام المالي فجوةٌ ضخمة نتجت عن توظيف المصارف لأموال المودعين لدى مصرف لبنان والدولة، ثمّ عجز الطرفين عن السداد. هكذا أصبحت خسائر القطاع المصرفي وخسائر الدولة وجهين لعملةٍ واحدة، بحيث لا يمكن معالجة إحداهما بمعزلٍ عن الأخرى — وهذا بالضبط ما يجعل الحلّ معقّداً سياسياً بقدر ما هو معقّد تقنياً". يضيف:" الحلقة الثانية: تبخّر الثقة وتحوّل الاقتصاد إلى النقد.إذ أدّى انهيار الثقة بالجهاز المصرفي إلى تجميد الودائع وتحوّل جزءٍ كبير من النشاط الاقتصادي، إلى التعامل النقدي المباشر خارج القنوات المصرفية. والاقتصاد النقدي، وإن بدا آليةَ تكيّفٍ مؤقتة، يضعف قدرة الدولة على التحصيل الضريبي، ويقلّص الشفافية، ويحرم القطاع الخاص من الائتمان اللازم للنمو. أما الحلقة الثالثة: تآكل القيمة والقدرة الشرائية. إذ خسرت الليرة اللبنانية أكثر من 95% من قيمتها مقابل الدولار منذ 2019 — وتشير بعض التقديرات إلى ما يقارب 98% — ممّا نقل جزءاً كبيراً من عبء الأزمة إلى الأجور الحقيقية والمداخيل الثابتة. وحتى حين تراجع التضخّم، لم يُترجَم ذلك تحسّناً ملموساً في القدرة الشرائية، لأنّ الأسعار ظلّت مرتفعة والأجور الحقيقية منخفضة. وخلاصة التشريح أنّ الأزمة اللبنانية أزمةُ توزيع خسائر بالدرجة الأولى: الخسائر متحقّقة وضخمة، والسؤال المؤجَّل منذ ست سنوات ليس "هل توجد خسارة" بل "من يتحمّلها" — الدولة أم المصرف المركزي أم المصارف أم المو