يخوض لبنان الرسمي غمار مرحلة جديدة من الاستنفار، سعيًا إلى إحداث خرق في الأفق السياسي والأمني المسدود. وفيما يخوض معركة شرسة في مواجهة إسرائيل وضغوطها التفاوضية، يواجه تحديات داخلية نتيجة التباعد بين خيارات الحكومة وخيارات "حزب الله". ويتجلى الاستنفار الرسمي في الحراك الدبلوماسي المكثف الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في بيروت ونيويورك وواشنطن والعواصم الأخرى المعنية. وإذ يخوض الوفد اللبناني تحركات رفيعة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لمنع الفراغ الدولي في الجنوب، يصطدم بعوائق جوهرية. فالجانب الأميركي يبدو غير مقتنع بالتمديد التقليدي لقوات "اليونيفيل" أو بإيجاد صيغة بديلة فورية، وهو ما يضع ملف القوات الدولية والدور الأممي على محك التعديل أو التقليص. وفي الموازاة، تستثمر إسرائيل هذا الشلل التفاوضي بمزيد من جولات القصف المدفعي، التفجيرات الضخمة، والغارات التي تطاول عمق الجنوب كالخيام، النبطية الفوقا، كفررمان، وبيت ياحون والمنصوري وسواها. في مواجهة هذه المخاطر، تبرز مساعي رئيس الحكومة لتأكيد الالتزام الصارم ببسط سلطة الدولة بقواها الذاتية وحصر قرار السلم والحرب بالمؤسسات الرسمية، وهو ما سيشدد عليه في كلمته أمام الأمم المتحدة وخلال لقائه المرتقب مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. في الموازاة، كان لافتًا تحذير رئيس الجمهورية من أن غياب اليونيفيل من دون بديل سيُحدث "فراغًا أمنيًا خطيرًا"، مع إعرابه عن الاستعداد لقبول قوات بديلة تعزز انتشار الجيش اللبناني، ما استدعى حشدًا فرنسيًا وبريطانيًا لدعم المؤسسة العسكرية. ويتطلع لبنان إلى اللقاء المقرر في 28 أيلول بين الرئيس نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، سعيًا إلى إلزام إسرائيل بالتوقف عن خرق اتفاق الإطار والانسحاب من النقاط الخلافية على الخط الأزرق. على الجانب الآخر، تزداد جبهة الداخل اللبناني تعقيدًا مع صعود خطاب المواجهة من قبل "حزب الله" وكتلته النيابية، "الوفاء للمقاومة"، التي وجهت اتهامات حادة للحكومة بالتنصل والتقصير. وهنا يرفض الحزب أي طرح يتعلق بنزع سلاحه أو المساس باستراتيجيته الدفاعية، معتبرًا أن محاولات حصر القرار بالدولة هي تفريغٌ لعناصر القوة الوطنية، وفقاً لقوله. وبذلك، يقف لبنان أمام مفترق طرق حرج. فجهود الدولة تصطدم بتصلب إسرائيلي، فيما يرفض "حزب الله" أي تنازل عن سلاحه، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة محفوفة بمخاطر الانزلاق نحو مزيد من الشلل والتصعيد. الدبلوماسية تسابق الوقائع الميدانية ما يجعل الاستنفار الرسمي أكثر إلحاحًا أن لبنان لا يتفاوض على واقع ثابت. ففي الوقت الذي يحاول فيه الوفد اللبناني تركيب مظلّة سياسية للمرحلة المقبلة، تتغير الوقائع في الجنوب بصورة شبه يومية، عبر الغارات والتفجيرات والتوغلات والسيطرة بالنار على محاور مترابطة تمتد من المنصوري ومجدل زون غربًا، إلى بيت ياحون وبرعشيت وسطًا، وصولًا إلى كفرتبنيت والنبطية الفوقا ومرتفعات علي الطاهر. وكانت تقارير ميدانية لـ"المدن" قد رصدت خلال الأسابيع الماضية اتساع هذه الخريطة، بما يتجاوز مفهوم الخروقات المتفرقة إلى محاولة تثبيت نطاق أمني متحرّك داخل الأراضي اللبنانية. وهنا تكمن المعضلة التي تواجه بيروت. فالوقت الذي تحتاج إليه الدبلوماسية لصياغة تفاهم دولي حول "اليونيفيل" أو بديلها، تستثمره إسرائيل في فرض شروط ميدانية جديدة. وكلما اتسعت رقعة التحرك الإسرائيلي، ازدادت صعوبة إعادة النقاش لاحقًا إلى حدود القرار 1701 وحده، لأن التفاوض يصبح عندها محكومًا أيضًا بما فُرض على الأرض. هذه ليست مشكلة أمنية فقط، بل تفاوضية أيضًا. فإذا دخل لبنان أي جولة مقبلة بينما تحتفظ إسرائيل بمواقع أو مناطق نفوذ إضافية، فإن استعادة الوضع السابق تصبح مطلبًا تفاوضيًا بحدّ ذاته، بدل أن تكون نقطة الانطلاق. ما بعد "اليونيفيل": الدولة أمام اختبار الفراغ لهذا السبب، لم يعد النقاش اللبناني حول "اليونيفيل" دفاعًا عن مهمة أممية بصيغتها الحالية بقدر ما أصبح دفاعًا عن مبدأ استمرار وجود دولي قادر على لعب دور المراقبة والتواصل ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. رئيس الجمهورية جوزاف عون حسم هذا الاتجاه عندما أعلن استعداد لبنان للقبول بقوة دولية بديلة إذا تعذّر تمديد مهمة "اليونيفيل"، شرط أن تساهم في تنفيذ القرار 1701 ودعم الجيش في بسط سلطة الدولة وصولًا إلى الحدود المعترف بها دوليًا. كما حذّر من أن انتهاء المهمة من دون بديل، بالتزامن مع استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق جنوبية، سيخلق فراغًا لا يخدم الاستقرار. المشكلة أن البديل، حتى الآن، لا يزال فكرة أكثر منه مشروعًا مكتملًا. فهناك تصورات أوروبية ومناقشات حول قوة أو مهمة مختلفة، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تمنحا بعد غطاءً واضحًا لصيغة جاهزة، فيم