يعيش لبنان وولايات السلطنة العثمانية السابقة صراعًا وجوديًا لم تتبلور نتائجه بعد. ففي نهاية القرن التاسع عشر عرضت المؤسسة الصهيونية على السلطان عبد الحميد أن يهبها فلسطين فرفض ودفع ثمن رفضه تقلّص سلطته وتحكّم جمعية الاتحاد والترقي بالقرار العثماني عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى التي انتهت وأنهت عصر السلطنة العثمانية وشرّعت الأبواب لبسط نفوذ الغرب على بلاد المشرق. تنافس على إرث السلطنة في المشرق كلٌّ من: ١- الشريف حسين على الجزيرة وباقي الخليج، حكومة فيصل في الشام التي كان لها أطماع في لبنان، ٢- حكومة فيصل في الشام وكان لها أطماع في لبنان، ٣- "وعد بلفور" بقيام دولة إسرائيل، ٤- اتفاقية سايكس-بيكو، ٥- انطون سعاده وسوريا الطبيعية، ٦- والبطريرك الياس الحويك أب لبنان الكبير، أول المنتصرين كان البطريرك الياس الحويك الذي انتصر بلبنان الكبير، لكن لبنان الكبير لم ينتصر لنفسه بإيمان أبنائه به وبخلق المواطنة اللبنانية، وفي هذا الاطار، -انتظر بعض أبنائه تسعين سنة ليرفعوا شعار لبنان أولاً مما يعني أنه لم يكن أولاً لديهم قبل هذا التاريخ. -فيما شرد آخرون نحو بلاد فارس شدّهم إليها وهم طائفي مُخطّط له ومدروس، -وكان البعض الآخر من أبنائه قد تمادى باختزال السلطة منذ التأسيس ولم يتفهّم هواجس شركائه في الوطن، فساهموا جميعهم في تفسّخ المجتمع الذي انتقلت عدواه إلى وحدة الوطن وديمومة الكيان. ثاني المنتصرين اتفاقية سايكس بيكو معدّلة في سوريا، دون أن تنتصر في سوريا الدولة المدنية الديمقراطية الواعدة، ثالث المنتصرين آل سعود في الجزيرة، فبنوا أمارتهم على حساب الشريف حسين الذي عُوِّضَ له مرحليًا بالعراق وباقتطاع الأردن مملكة لابنه. رابع المنتصرين كان وعد بلفور بقيام دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨. أما الخاسر الوحيد فكان أنطون سعاده ونظرية سوريا الطبيعية التي اغتيلت عدة مرات مرة بوعد بلفور وقيام دولة إسرائيل، مرّة بتكريس دول سايكس بيكو، مرّة بموته، ومرّة على يد مناصريه الذين التحقوا بأحزاب إلهية وعقائدية لا تمت إلى عقيدتهم العلمانية والقومية بصلة. بعد مرور مئة عام على قيام دول المشرق ماذا عن مستقبله ومستقبل لبنان؟ ١- إسرائيل توسّعت وفرضت نفسها دولة رائدة، ٢- الأردن قام بدوره كقوة فصل بين إسرائيل والعراق من جهة، وكقوة لجوء لامتصاص فلسطينيي الداخل من جهة ثانية، فعرف استقرارًا نسبيًا، ٣- العراق، سوريا ولبنان عادوا إلى نقطة الصفر يبحثون عن دور وهوية. أثبت تراكم الأحداث أنّ مادة القومية الوطنية أسقطت شعوب المشرق بالنقطة اللاغية في امتحان الانتماء والمواطنة، لمصلحة القوميات الدينية. وكيف لا، وقد اعتمدت هذه البلدان فور استقلالها باستثناء لبنان الذي كان الحضور المسيحي فيه وازنًا، دين الدولة الإسلام لتقتل في المهد كل فكرة قومية جامعة. ولبنان بدوره تخلّى عن فكرة القومية اللبنانية الراسخة في عمق التاريخ وذهب إلى لبنان ذو وجه عربي قبل أن يتبنّى نظرية القومية العربية التي لم نرى لها أثرًا ووجودًا على أرض واحدة في المنطقة إلا في مخيلة السلطات المتحكّمة برقاب شعوبها وبعض الكتبة والمنظّرين، يتاجرون بها وبالاسلام معًا. ماذا نستنتج بعد مئة سنة على تجربة استقلال شعوب المنطقة الناطقين بلغة الضاد والقاطنين ما بين المتوسط وبلاد فارس؟ نستنتج أولاً أنّ أهل المشرق لا يزالون في دار الحضانة السياسية يبحثون عن نظم تحمي وحدتهم وتُحصّن مجتمعاتهم بينما إسرائيل نالت شهادة جامعية بامتياز في كيفية بناء الدولة وترقي المجتمع. نستنتج ثانيًا أنّ لبنان الذي كان شعبه في طليعة دول المشرق ثقافة ومعرفة ورقيّ أضحت اليوم دولته في مؤخّرة المحيط من جراء منظومة تحكّمت بمصيره منذ نصف قرن فعبثت بأمنه واقتصاده وعمقه الاستراتيجي وحوّلت سلطته إلى سلطة مرتهنة لها ولخارج مرتهن بدوره إلى المجهول. إن انطلاق مسيرة العودة إلى الوطن الأم، بهويّته الحقيقية ورسالته الرائدة يبدأ بمساءلة أنفسنا والتاريخ والإضاءة على نقاط الضعف والقوة التي فينا وفيه وبمحاسبة كل مسؤول تسبّب بما آلت إليه حال لبنان. نستنتج ثالثًا أنّ مسؤولية النخب الذين لم تتورّط أياديهم بالدم ولا بسرقة المال العام تتفاقم بسرعة، فعليهم الإسراع أينما وجدوا في لبنان أم في دنيا الاغتراب ببلورة مشروع وطني متوازن يساهم بخلق روح المواطنة ويُحصّن الوحدة الوطنية وديمومة الكيان، وبعرضه على المراجع الدولية النافذة والمعنية برعاية المشرق وولادة الشرق الأوسط الجديد. نستنتج رابعًا أنّ التوازن بين جميع دول المشرق لم يعد متوفّرًا، فإسرائيل أضحت الدولة الأقوى والأكثر تقدّمًا ليس فقط مع دول المحيط بل مع كل دول الإقليم. نستنتج خامسًا أنّ كلّ تاخير في رسم إطار سلام واقعي وحقيقي بين لبنان وإسرائيل سيؤخّر في انطلاقة مسيرة عودة الدولة إلى لبنان وسيُعجّل بتهديد أسس ا