تطرح قراءة إسرائيلية جديدة تحولًا لافتًا في شكل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، يقوم على استضافة إسرائيل وجودًا عسكريًا أميركيًا دائمًا على أراضيها، في مقابل تعزيز الالتزام الأميركي بأمنها لسنوات طويلة. الطرح الذي كان يُنظر إليه سابقًا بتحفظ إسرائيلي خشية المساس بالاستقلالية الاستراتيجية، بات، وفق أصحابه، يحمل فرصة "رابحة للطرفين" في ظل التغيرات التي أحدثتها الحرب مع إيران وتزايد التساؤلات بشأن مستقبل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. وفي مقال تحليلي نشره موقع "N12" الإسرائيلي، رأى الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" عاموس يدلين، والدكتور أفنير غولوف، المسؤول السابق عن الملف الأميركي في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أن إسرائيل قادرة على التحول إلى "المرساة الأمنية الأميركية الأكثر حماية وموثوقية في المنطقة"، بما يسمح لواشنطن بالحفاظ على حضورها العسكري الإقليمي، وفي الوقت نفسه يمكّن إسرائيل من تثبيت القيمة الاستراتيجية التي تمثلها للولايات المتحدة. ويقول الكاتبان إن موقفهما من سؤال استضافة قاعدة أميركية دائمة في إسرائيل كان طوال السنوات الماضية "غير واضح"، بسبب الخشية من أن تعكس الخطوة ضعفًا إسرائيليًا وتمس باستقلال إسرائيل، لكن تطورين خلال الأشهر الأخيرة دفعاهما للمرة الأولى إلى اعتبارها صيغة "Win-Win" للدولتين. التطور الأول، وفق التحليل، يتعلق بمستقبل القوات الأميركية في المنطقة، والذي بات موضع تساؤل بعد الحملة المشتركة ضد إيران التي حملت اسم "زئير الأسد". ويرى يدلين وغولوف أن نموذج الاستقرار الأميركي التقليدي في الشرق الأوسط اهتز خلال هذه المواجهة، بعدما استهدفت إيران قواعد ومنشآت أميركية في دول الخليج والأردن والعراق، وتسببت بإصابات وأضرار، وأظهرت أن تمركز قوات أميركية بالقرب من إيران لا يعرّض الولايات المتحدة وحدها للخطر، بل كذلك الدول التي تستضيف تلك القوات وحلفاءها. وبحسب قراءتهما، تعتمد طهران في هذا السياق استراتيجية غير متماثلة تهدف إلى تحويل استضافة القوات الأميركية من مصدر حماية إلى مصدر تهديد، بما يرفع مستوى الضغط السياسي والشعبي على حكومات المنطقة من أجل تقليص الوجود الأميركي أو إنهائه. ولا يقتصر الجهد الإيراني، وفق المقال، على الضربات العسكرية، بل يشمل ممارسة ضغوط على الدول المضيفة، وتأجيج الرأي العام المحلي ومحاولة ترسيخ رواية مفادها أن الوجود الأميركي هو الذي يجلب الحرب إلى أراضيها. فبينما تعتمد دول الخليج على الوجود الأميركي لتعزيز دفاعها وردع خصومها، تقول القراءة إن إيران تريد إقناع تلك الدول بأن كلفة استضافة القوات الأميركية أصبحت أعلى من الفائدة التي تحققها. ويحذّر الكاتبان من أن نجاح إيران في هذا المسار قد يؤدي، بحسب تقديرهما، إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي بصورة تعزز موقع طهران بدرجة كبيرة. وفي الوقت نفسه، يرون أن الحملة الإيرانية تقوّي داخل الولايات المتحدة الأصوات التي تطالب بتحويل المزيد من الموارد والاهتمام نحو آسيا والمنافسة مع الصين، على أساس أن تخصيص قوات كبيرة للشرق الأوسط قد يؤثر في الردع الأميركي بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويتيح لبكين استغلال فرصة لتوسيع نفوذها، بما في ذلك في ما يتعلق بتايوان. لكن على المستوى الاستراتيجي الأوسع، يعتقد يدلين وغولوف أن واشنطن تكتشف أن الانفصال عن الشرق الأوسط سيكون، من وجهة نظرهما، "خطأ استراتيجيًا"، لأنه قد يترك المنطقة أمام مزيد من النفوذ الصيني والروسي، ويعرض إمدادات الطاقة العالمية للاضطراب، ويمس بحرية الملاحة، ويشجع ما وصفاه بتصدير الإرهاب، ويؤدي إلى فقدان حلفاء مهمين للتجارة والاستثمارات. ومن هنا يطرحان إسرائيل كحل للمعضلة الأميركية: كيف تحافظ الولايات المتحدة على وجود في الشرق الأوسط بطريقة أكثر أمانًا ومدروسة؟ والجواب، وفقهما، يكمن في تحويل الشراكة الأمنية غير المسبوقة التي نشأت خلال الحرب إلى وجود عسكري أميركي دائم داخل إسرائيل. ويرى التحليل أنه إذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على وجود إقليمي مستقر على المدى الطويل، فعليها الاعتماد بدرجة أكبر على قواعد يمكن حمايتها بصورة أفضل. ويعني ذلك، بحسب الكاتبين، مواقع أبعد عن نقاط إطلاق الصواريخ الإيرانية، مع مظلة دفاع جوي متعددة الطبقات، وبنى تحتية متطورة، وشريك محلي يستطيع الدفاع بصورة مستقلة عن القوات الموجودة على أراضيه. وفي هذا الإطار، يعتبران أن إسرائيل تقدم ميزات نسبية، بينها بُعد جغرافي أكبر عن إيران مقارنة بالقواعد الأميركية في الخليج، ومنظومات دفاع نشطة جرى اختبارها، وقدرات متقدمة في الاستخبارات والقيادة، وبنية عسكرية قادرة على دعم نشاط أميركي طويل الأمد. ومن شأن وجود أميركي دائم داخل إسرائيل، وفق المقال، أن يوفر لواشنطن قاعدة مادية وعملياتية أكثر استقرارً