لم تعد المعارك الدائرة في اليمن، وفق قراءة شخصيات يمنية وباحثين تحدثوا إلى "N12"، محصورة في إطار الحرب الأهلية، بل باتت تتداخل مع صراع أوسع على الممرات البحرية وعلى النفوذ الإقليمي، وسط اتهامات لإيران بلعب دور متقدم في معركة باب المندب، وتحذيرات من أن الحوثيين قد ينقلون تركيزهم لاحقًا نحو إسرائيل عبر تطوير وسائل قتالية بعيدة المدى وأكثر دقة. وبحسب تقرير للصحافية سابير ليبكين في مجلة "N12" الإسرائيلية، جاء ذلك في أسبوع كان فيه احتمال تنفيذ عمل عسكري أميركي ضد الحوثيين قريبًا من التحول إلى واقع، قبل أن يضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المكابح في اللحظة الأخيرة. إلا أن المشهد اليمني، وفق التقرير، واصل التصعيد على أكثر من مستوى، إذ يخوض الحوثيون في الوقت نفسه معارك برية، وصراعًا على طرق الملاحة البحرية، وحربًا على الوعي والرواية. وكل تقدم يحققه الحوثيون، بحسب التقرير، يقرب التهديد من عدن، المدينة التي تتمركز فيها الحكومة اليمنية التي حاولوا إسقاطها، فيما تحمل كل ضربة ضد السعودية رسالة بأنهم قادرون أيضًا على التأثير في إيقاع الأحداث خارج حدود اليمن. وفي المقابل، ما زالت قوات يمنية تقاتلهم على عدة جبهات وتوقع بهم خسائر، فيما يبقى المدنيون الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر. وفي هذا السياق، برزت شهادة علي البخيتي، المتحدث السابق باسم الحوثيين، الذي عرف الحركة من الداخل قبل أن ينفصل عنها عام 2015 ويغادر إلى المنفى. وقال البخيتي في مقابلة مع مجلة N12: "السيطرة على باب المندب هي هدف للمحور، وليست هدفًا يمنيًا محليًا"، مضيفًا: "هذه هي المرة الأولى التي تُدار فيها معركة في اليمن من قبل المحور". وعن طبيعة الدور الإيراني، قال: "أعتقد أن هذه المعركة في المنطقة الساحلية شهدت انخراطًا إيرانيًا أكبر من أي معركة أخرى. لقد ساهم الإيرانيون في التخطيط للعملية وكذلك في تنفيذها". وأوضح أن الإيرانيين، وفق تقديره، لم يشاركوا كجنود أو عسكريين في المواجهات المباشرة، وإنما ساعدوا الحوثيين في اختراق أنظمة الاتصالات التابعة للقوات التي كانت إلى جانب طارق صالح، قائد "المقاومة الوطنية" في اليمن، الذي كان يسيطر على منطقة باب المندب ويتبع للحكومة المدعومة من السعودية. وأضاف البخيتي: "الأمر لا يتعلق بالإيرانيين فقط، بل أيضًا بعناصر من حزب الله. لديهم تقنيات متقدمة جدًا. بالمقارنة مع التكنولوجيا الإسرائيلية تُعتبر هذه التقنيات أدنى مستوى، لكن بالمقارنة مع إمكانات الجيش اليمني فهي متقدمة". وتطرق إلى التقارير عن وجود للحوثيين في العراق، قائلًا إن الهدف من هذا الوجود هو تنفيذ هجمات ضد السعودية، "وبصورة خاصة ضد منشآت شركة أرامكو، التي يقع بعضها في شمال المملكة". وفي قراءة البخيتي، لم تعد معركة باب المندب جزءًا من الحرب الداخلية اليمنية فحسب، بل تحولت السيطرة على المضيق الاستراتيجي إلى ورقة ضغط تتجاوز اليمن. وقال: "اليمنيون الذين يقاتلون الحوثيين ليسوا هم الذين سيتضررون من السيطرة على باب المندب. من سيتضرر هي الدول التي تمر طرقها التجارية في المنطقة: أوروبا والولايات المتحدة والعالم كله. طهران تريد إغلاق مضيق باب المندب للضغط على الرياض وعلى ترامب". من جهته، قال محلل وباحث يمني بارز عرّفه التقرير بالحرف "خ" إن العلاقة بين الحوثيين والفصائل المدعومة من إيران في العراق ليست جديدة. وأضاف: "هناك تنسيق بين الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وبين الحوثيين، وهذا التنسيق ليس جديدًا. هناك وجود للحوثيين في العراق لأغراض التدريب وتقديم المشورة، ويوجد أيضًا تنسيق عسكري بين الطرفين بشأن الهجمات". وعن الموقف السعودي، اعتبر الباحث أن الرياض "لم ترد حتى الآن بالشكل الملائم"، مضيفًا أنها ما زالت تعتمد على تقديرات تفيد بأن المجتمع الدولي سيتدخل، وتنتظر النجاح في إقناع واشنطن أو الغرب بالتحرك. وقال إن الحوثيين يستغلون هذا الواقع ويصعدون تدريجيًا، بالتزامن مع وجود مفاوضات بينهم وبين السعودية، محذرًا من أنه "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن المكاسب ستقع في النهاية في أيدي الحوثيين وحدهم". لكن صورة الميدان ليست أحادية الاتجاه. فقد قالت عنبال نسيم-لوبتون، المتخصصة في الشأن اليمني في الجامعة المفتوحة والباحثة في مركز ديان بجامعة تل أبيب، إن الحوثيين يتفوقون في بعض مناطق القتال ويسجلون إنجازات ويتقدمون، بينما تحقق في مناطق أخرى القوات المحلية التابعة للمجلس الرئاسي والحكومة المعترف بها، وبدعم سعودي، إنجازات مضادة. وشددت على أن العلاقة الوثيقة بإيران لا تعني أن الحوثيين يتحركون فقط وفق المصالح الإيرانية، قائلة: "الحوثيون لم يعودوا وكيلًا كلاسيكيًا". وأضافت: "هناك محاولة لربط الساحات، بدفع إيراني بصورة أساسية، لإعطاء الأمر طابع عملية لـ'محور المقاومة'". وفي وسط اليمن، أش