تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة تبدو فيها الحسابات السياسية الأميركية جزءًا من القراءة الإيرانية لمسار الحرب، إذ يرى الباحث الإسرائيلي في الشؤون الإيرانية داني سيترينوفيتش أن طهران لا تعتبر الضغوط الاقتصادية والعسكرية سببًا للتراجع، بل دافعًا إلى التصعيد، فيما تراهن على أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي يقيّد خيارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤقتًا، قبل احتمال عودة القتال الواسع بعدها. وبحسب مقابلة عبر إذاعة "103FM"، قدّم سيترينوفيتش، الباحث في برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي "INSS"، قراءته للمواجهة مع طهران، ولأسباب عدم تحوّل الضغط الأميركي إلى استسلام إيراني، وللتقديرات الإيرانية بشأن الخطوة التالية لترامب. ويعرّف معهد INSS سيترينوفيتش بأنه باحث بارز في هذا البرنامج، سبق أن خدم 25 عامًا في مواقع مختلفة ضمن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وقال سيترينوفيتش إن الموقف الإيراني "بقي ثابتًا"، معتبرًا أن الاجتماع بين وزير الخارجية الإيراني والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف كان مهمًا لأنه يُظهر رغبة الطرفين في إيجاد حل سياسي، لكن ذلك لم يؤد، بحسب قوله، إلى تغيير المواقف الأساسية لطهران. وأضاف: "الإيرانيون يعرضون المواقف نفسها التي عرضوها باستمرار قبل الحرب وبعدها. هم لا يغيّرون موقفهم، من هرمز إلى الملف النووي وصولًا إلى مطلب رفع العقوبات". وأشار إلى أن الحصار البحري الأميركي يحقق تأثيرًا فعليًا، قائلًا: "يجب القول إن الحصار البحري يعمل بالفعل، إيران لا تصدّر النفط، وهذا إنجاز مهم". لكنه شدد في المقابل على أن الضغط الاقتصادي لا يقود إلى استسلام طهران، بل إلى اتجاه معاكس، وقال: "الضغط الاقتصادي يعمل، لكنه لا يؤدي إلى استسلام إيراني. الضغط الاقتصادي يقود إلى تصعيد إيراني". وهذه الفكرة تتطابق مع قراءة سابقة قدّمها سيترينوفيتش، إذ قال إن الضغط الاقتصادي على طهران لا يعني قبولها بالتخلي عن أدواتها الاستراتيجية، وإن استمرار منعها من تصدير النفط قد يدفعها إلى خطوات أكثر تصعيدًا. وبحسب سيترينوفيتش، بدأت إيران بالفعل بتوجيه تهديدات إلى الجهات التي قد تنضم إلى هذا المسار، وقال إن "الإيرانيين يهددون بالفعل بأن من ينضم إلى هذا الأمر، فإن إيران لن تتردد في مهاجمة المطارات". وأضاف: "في إيران غير مستعدين لقبول وضع يُفرض عليهم فيه حصار. هم يهاجمون وسيهاجمون، لكنهم غير مستعدين لقبول الوضع الحالي بخضوع". وشرح سيترينوفيتش ما وصفه بالحسابات الإيرانية المرتبطة بالداخل الأميركي، قائلًا إن طهران تفترض أن ترامب واقع تحت ضغط كبير حتى موعد انتخابات التجديد النصفي، وبالتالي ترى أن لديها فرصة لتحقيق مكاسب مهمة خلال هذه الفترة. وأشار إلى أن عودة أسعار النفط إلى الارتفاع تؤثر سلبًا، وفق قراءته، على وضع الحزب الجمهوري في استطلاعات الرأي، وهو عامل تعتقد إيران أنه يفرض قيودًا إضافية على البيت الأبيض. وقال: "من وجهة نظرهم، يمكنهم الاختيار بين المفاوضات أو النشاط العسكري. هدفهم الرئيسي ليس المفاوضات ولا الهجوم العسكري، بل تغيير الواقع الاستراتيجي بما يخدم إيران، ويُخرج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط ويمنع تنفيذ هجمات مستقبلية على إيران". وأضاف: "إذا تحقق ذلك من خلال المفاوضات فهذا جيد، وإذا تحقق من خلال الهجمات فهذا جيد أيضًا. هم لن يقبلوا الوضع الحالي الذي لا يصدّرون فيه النفط، وفي النهاية يفرض الأميركيون عليهم عقوبات كبيرة ويهاجمونهم". وفي ما يتعلق بإسرائيل، رأى سيترينوفيتش أن طهران لا تملك مصلحة في إدخالها إلى المواجهة الحالية، كما أن الولايات المتحدة ليست معنية بذلك، معتبرًا أن احتمال تورط إسرائيل يبقى منخفضًا طالما بقيت المواجهة متمركزة حول مضيق هرمز. وقال: "بالنسبة إلى القصة الإسرائيلية، لا توجد لدى الإيرانيين أي مصلحة في إدخال إسرائيل إلى الحدث، ولا لدى الأميركيين أيضًا. ما دامت القصة متمركزة في مضيق هرمز، فإن احتمال تورطنا منخفض". وكان سيترينوفيتش قد عبّر في مقابلة سابقة مع "CNN" عن تقدير مشابه، معتبرًا أن الإدارة الأميركية تعتمد بدرجة كبيرة على الضغط الاقتصادي لأنها لا تريد العودة إلى حرب عسكرية واسعة، لكنه حذّر من أن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار إذا لم يُطرح أمام إيران مسار سياسي مقبول. وفي ختام قراءته، شكك سيترينوفيتش في وجود خطة أميركية محسومة للمرحلة المقبلة، وقال: "الرئيس ترامب نفسه لا يعرف ماذا يريد أن يفعل مع الإيرانيين. من الواضح أنه لا يعرف بنفسه ماذا يفعل". ثم قدّم ما قال إنه التقدير السائد لدى الإيرانيين للمرحلة التالية: "الإيرانيون يفترضون أنه بعد انتخابات التجديد النصفي سيعود إلى حرب واسعة". وهكذا، لا تبدو المواجهة في قراءة سيترينوفيتش محصورة بين العقوبات والضربات والمفاوضات، بل باتت مرتبطة أ