من المعابر والنقل إلى الصناعة والاستثمار، يبحث لبنان وسوريا عن علاقة تقوم على التكامل لا المنافسة، لكن نجاحها يبقى رهناً بإزالة عوائق الجمارك والتأشيرات والنقل وتوفير ضمانات حقيقية للمستثمرين. لم تختر سوريا ولبنان الجغرافيا التي جمعتهما، لكنهما دفعا طويلاً أثمان السياسة التي فرقتهما. حدود طويلة، ومصالح متداخلة، وأسواق يعرف بعضها بعضاً، وطريق بري امتد لعشرات الكيلومترات لا يستطيع لبنان تجاهله حين ينظر شرقاً، ولا تستطيع سوريا تجاوزه حين تنظر غرباً نحو البحر المتوسط. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع شراكة، فعقود العلاقة بين البلدين تركت وراءها ملفات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، فيما بقيت حركة التجارة والاستثمار محكومة بعوائق تبدأ عند الحدود ولا تنتهي عند القوانين والجمارك والنقل والمصارف. اليوم تبدو الصورة مختلفة، سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد تبحث عن الاستثمار ورأس المال والأسواق اللازمة لإعادة تحريك اقتصادها، فيما يبحث لبنان، المثقل بأزماته الاقتصادية، عن موقع له في خريطة إقليمية تتغير فيها طرق التجارة وسلاسل الإمداد وممرات الطاقة. من هنا يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يستطيع البلدان تحويل الجغرافيا من عبء سياسي إلى مصلحة اقتصادية مشتركة؟ المنتدى اللبناني - السوري للاستثمار 2026 هذا السؤال حضر بصورة أساسية في خلفية المنتدى اللبناني - السوري للاستثمار 2026، الذي عقد أولى جلساته يوم أمس الأربعاء في بيروت، وجمع مسؤولين ومستثمرين ورجال أعمال من البلدين للبحث في النقل والزراعة والصناعة والخدمات والاستثمار وإعادة الإعمار. وجاء المنتدى بالتزامن مع زيارة وفد حكومي سوري ضم ستة وزراء إلى العاصمة اللبنانية، في أول تجمع اقتصادي لبناني - سوري بهذا المستوى، منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبمشاركة نحو 400 رجل أعمال ومسؤول ومستثمر من البلدين، بينهم نحو 190 من سوريا. لكن أبعد من الكلمات الرسمية واللقاءات، تكشف أحاديث مسؤولين واقتصاديين من الجانبين لـ"اندبندنت عربية"، التي حضرت المنتدى، عن أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بزيادة حجم التجارة وحدها، بل بمحاولة بناء نموذج مختلف للعلاقة الاقتصادية، وفيه تكامل في الإنتاج، وربط في النقل، وقواعد أوضح للاستثمار، وإزالة للعقبات التي لا تزال تجعل عبور الأشخاص والبضائع ورؤوس الأموال أكثر صعوبة مما تسمح به الجغرافيا. وزير الصناعة السوري محمد نضال الشعار خلال مشاركته في المنتدى اللبناني السوري للاستثمار (اندبندنت عربية) البساط: من بلدين متجاورين إلى عقدة تجارية بالنسبة إلى وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط، تبدأ المعادلة من تغيير مفهوم العلاقة نفسها، فلا اقتصادان يتنافسان على السوق ذاتها، بل اقتصادان يبحثان عما يستطيع كل منهما إضافته إلى الآخر. وقال البساط، في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية"، إن "النقطة الأساسية في العلاقة الاقتصادية بين لبنان وسوريا هي أن تكون علاقة تكاملية وليست تنافسية، تقوم على تحديد الميزات التفاضلية التي يمتلكها كل بلد وبناء علاقة مؤسساتية جديدة تستند إلى المصالح المشتركة واحترام مصالح الدولتين". ويرى أن "المطلوب اليوم هو الانتقال من النوايا إلى المؤسسات ومن التبادل التجاري إلى مشاريع واستثمارات مشتركة"، مشيراً إلى "العمل على مراجعة أكثر من 40 اتفاقاً بين البلدين، إلى جانب تفعيل آليات التنسيق الفني ومعالجة العقبات التي تواجه المستثمرين والتجار". ولا يفصل البساط هذه العلاقة الثنائية عن التحولات الأوسع، فإعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية منذ جائحة كورونا، ثم التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي طاولت الممرات البحرية، أعادت، وفق رؤيته، "أهمية البحث عن طرق برية بديلة". وهنا تدخل الجغرافيا مجدداً في الحسابات، إذ يرى وزير الاقتصاد اللبناني أن "خطوط الربط بين البحر المتوسط وتركيا والعراق والسعودية يمكن أن تؤدي دوراً متزايداً، وأن لبنان وسوريا قادران على الاستفادة من موقعهما ضمن هذه الخريطة". ويقول إن "هذا التكامل قد يفتح الباب أمام استثمارات في النقل والطاقة والكهرباء والغاز والصناعة والأدوية والخدمات"، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن "رأس المال لن يأتي بالجغرافيا وحدها، بل يحتاج إلى إطار قانوني ومؤسساتي واضح وإلى معالجة العقبات التي تواجه التجارة والترانزيت والاستثمار". لكن أي حديث عن تحويل لبنان وسوريا إلى نقطة وصل إقليمية يصطدم بسؤال أكثر مباشرة: كيف ستتحرك البضائع؟ بخاصة وسط حدود مشتركة تمتد على أكثر من 350 كيلومتر ومعابر غير شرعية يصعب ضبطها؟ هنا يضع وزير النقل السوري يعرب بدر قطاع النقل في قلب المعادلة، لا بوصفه قطاعاً منفصلاً، بل بنية تحتية لا يمكن للاستثمار والتجارة أن يتوسعا من دونها. وقال في حديث لـ"اندبندنت عربية" إن "الفرص بين سوريا ولبنان