من عاصفة سياسية غير مسبوقة داخل إسرائيل إلى انتشار دولي واسع، ينتقل الفيلم الوثائقي "نزا" للمخرجَين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور إلى مرحلة جديدة، مع الاستعداد لعرضه في دور السينما بأكثر من 50 دولة، قبل إتاحته مجانًا عبر الإنترنت ومن دون سقف زمني، في خطوة تأتي وسط مواجهة حادة بين صنّاع الفيلم والحكومة الإسرائيلية على خلفية ما يطرحه من شهادات وادعاءات بشأن آليات اتخاذ القرار في الهجمات على قطاع غزة. وبحسب تقرير للصحافي عيدو لازاري في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، يأتي التوسع في توزيع الفيلم بعدما عُرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية، حيث قوبل بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. وبعد عروض في بولونيا ومهرجان سان سيباستيان، من المقرر أن يشهد الفيلم في نهاية الأسبوع عرضه الأول في أميركا الشمالية ضمن مهرجان نيويورك السينمائي، قبل أن يبدأ بعد 4 أيام عرض تجاري في مركز IFC في نيويورك، على أن يتوسع لاحقًا إلى لوس أنجلوس ومدن أميركية رئيسية أخرى. وقد أكد مهرجان نيويورك إدراج الفيلم ضمن برنامجه الرئيسي وتحديد 26 أيلول موعدًا للعرض الأول في أميركا الشمالية. وبالتوازي، يجري التحضير لتوزيع سينمائي بالتعاون مع MK2 Films في عشرات المناطق حول العالم، بينها بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا واليابان وكندا وهونغ كونغ والبرازيل وتركيا وتايلاند وفرنسا وإسبانيا وألمانيا، إضافة إلى دول في أميركا الوسطى والشرق الأوسط. وبعد انتهاء جولة العروض السينمائية، تعتزم صحيفة "الغارديان"، التي أنتجت الفيلم، إتاحته مجانًا على موقعها، في إطار ما تصفه بالتزامها نشر الصحافة المستقلة. وقال هاري ديفيس، صحافي التحقيقات في "الغارديان" وأحد منتجي الفيلم: "نزا يستند إلى عمل صحافي دقيق نُشر خلال السنوات الـ3 الماضية، لكنه أيضًا عمل سينمائي قوي سيكون متاحًا قريبًا على الشاشات الكبيرة والصغيرة في أنحاء العالم". ووفق "الغارديان"، تلقى عدد من الموزعين ودور السينما في إسرائيل عرضًا لعرض الفيلم، بالتزامن مع دراسة وسائل تتيح عرضه أيضًا في الأراضي الفلسطينية. ويبلغ طول الفيلم نحو 80 دقيقة، وقد صُوّر ليلًا على أسطح مبانٍ في تل أبيب، ويستند إلى مقابلات مع 24 شخصًا من العاملين في الاستخبارات والجيش الإسرائيلي، وافقوا على الحديث بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. كما يعتمد الفيلم على تحقيقات نُشرت بين عامي 2023 و2025 في "الغارديان" ومجلة "+972" وموقع "سيحا ميكوميت". ويعرض "نزا" ادعاءات قاسية بشأن آليات اتخاذ القرار في الهجمات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وكذلك بشأن عدد المدنيين المتوقع إصابتهم خلالها. وبحسب صنّاعه و"الغارديان"، اشتُق اسم الفيلم من اختصار عسكري يُستخدم لوصف عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة ما. وكان الجيش الإسرائيلي قد رفض هذه الادعاءات بداية بصورة شاملة، وانتقد اعتماد الفيلم على مصادر مجهولة لا يمكن التحقق من هوياتها، قبل أن يقول في رد لاحق إن الادعاءات تتطلب معالجة مفصلة تستند إلى الأدلة بدل الاكتفاء برد عام. وكان أبراهام وشور من بين 4 صنّاع لفيلم "لا أرض أخرى"، إلى جانب باسل عدرا وحمدان بلال، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي. ويشارك كذلك في "نزا" بصفته منتجًا تنفيذيًا المخرج الحائز على الأوسكار جوناثان غليزر، صاحب فيلم "منطقة الاهتمام"، إلى جانب المنتج جيمس ويلسون. وعلى الرغم من الاستقبال الحماسي الذي حظي به الفيلم في مهرجان البندقية، فإنه أثار عاصفة سياسية حادة داخل إسرائيل. فقد دعا وزير الثقافة ميكي زوهار إلى سحب الجنسية من صنّاع الفيلم واتهمهم بـ"خيانة الدولة"، فيما أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لاحقًا أنه سيدفع باتجاه تشريع يسمح، وفق قوله، بسحب الجنسية ممن "يشهّر" بجنود الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل. كما نُظمت أمام منزل والدي شور تظاهرة لناشطين من اليمين، أُطلقت خلالها هتافات حادة ضد صنّاع الفيلم. ورد أبراهام وشور بالقول: "صنعنا الفيلم انطلاقًا من شعور بالالتزام باستخدام موقعنا كإسرائيليين لفحص الأنظمة التي تقف خلف القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين، والذي تتحمل دولتنا مسؤوليته. تهديدات الحكومة الإسرائيلية بسحب جنسيتنا وتهديدات القتل لا تغيّر ذلك ولن توقف الفيلم. نشكر زملاءنا على التضامن، ونتطلع إلى مشاركة نزا حول العالم قريبًا جدًا". وفي المقابل، نشرت عشرات منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل بيانًا مشتركًا طالبت فيه السلطات بوقف ما وصفته بالتحريض والتهديدات ضد صنّاع الفيلم، فيما وقّع أكثر من 1500 من العاملين في السينما الإسرائيلية عريضة دفاعًا عن حرية التعبير والإبداع وتضامنًا مع المخرجَين. كما أعلن عدد من السينمائيين الدوليين دعمهم لهما، بينهم كين لوتش وجوشوا أوبنهايمر ولورا بويتراس وريتشارد آير. و