حذّر الخبير الاقتصادي د. باسم البواب من أن لبنان يواجه مزيجًا بالغ الصعوبة من التضخم والانكماش الاقتصادي، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين وترتفع كلفة المعيشة، معتبرًا أن الدولة تتحمل جزءًا أساسيًا من الأزمة بسبب الرسوم والضرائب وعدم اتخاذ إجراءات تخفف انعكاس ارتفاع الأسعار العالمية على السوق المحلية. وخلال مقابلة ضمن برنامج "3:15 اقتصاد" عبر شاشة "RED TV"، قال البواب إن "المشهد الداخلي يُظهر أن الأوضاع سيئة جدًا في ظل التضخم العالمي الذي نتأثر به إلى جانب التضخم المحلي، وقد وصل إلى نحو 30% قبل انتهاء السنة مع احتمال ارتفاعه أكثر". وأوضح أن الدولة يجب أن تلعب دور "صمّام الأمان" في مواجهة موجة الغلاء، مضيفًا: "إذا كانت أسعار السلع في تصاعد، فعلى الدولة أن تخفف من مداخيلها لتخفيف الأعباء عن المواطنين". وفي هذا السياق، حمّل البواب الدولة اللبنانية مسؤولية جانب من الأزمة، معتبرًا أنها تملك أدوات يمكن استخدامها مباشرة، وقال: "الدولة اللبنانية مسؤولة عن الأزمة، إذ يمكنها خفض سعر صفيحة البنزين وزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي". وفي ما يتعلق بأسعار النفط، أشار إلى أن بداية فصل الشتاء تشهد عادة ارتفاعًا في الطلب، بالتوازي مع تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في الخليج، فضلًا عن أن بعض مصافي النفط لم تعد بعد إلى مستويات إنتاجها الطبيعية. ولفت إلى وجود تدخل عالمي في سوق النفط، ولا سيما من الولايات المتحدة، عبر زيادة المعروض عندما ترتفع الأسعار بهدف الضغط عليها وخفضها، موضحًا أن "كلما تجاوز سعر برميل النفط 115 دولارًا، تتم زيادة المعروض في السوق للضغط على الأسعار، وقد شهدنا هذا السيناريو أكثر من مرة". ورأى البواب أن انعكاس أسعار النفط العالمية على اللبناني يكون مضاعفًا نتيجة الرسوم والضرائب التي تفرضها الدولة، وقال: "تأثّر اللبناني بارتفاع أسعار النفط عالميًا يكون مضاعفًا بسبب الرسوم والضرائب التي تفرضها الدولة، فيما استوردنا نحو 6% فقط من التضخم الناتج عن أسعار النفط العالمية". وبحسب البواب، لم يعد الضغط محصورًا بارتفاع الأسعار، بل امتد إلى المداخيل وسوق العمل، إذ قال إن "القدرة الشرائية للمواطن انخفضت بنحو 20% كحد أدنى، فيما زاد الانكماش الاقتصادي الطين بلّة بعدما فقد العديد من المواطنين أعمالهم". وأضاف أن أخطر ما يواجهه المواطن أو الموظف اليوم هو تزامن التضخم مع الانكماش الاقتصادي، موضحًا: "ما نعيشه هو انكماش اقتصادي يترافق مع تضخم، وهو من أخطر ما يمكن أن يواجهه المواطن أو الموظف، إذ ترتفع الأسعار في مقابل تراجع الموارد والدخل". وفي خلفية هذا المشهد، تتداخل عوامل داخلية وخارجية في الضغط على الاقتصاد اللبناني، من ارتفاع الطلب العالمي على النفط واضطرابات الإنتاج والحروب، إلى العبء المحلي الناتج عن الضرائب والرسوم، ما يجعل انعكاس أي زيادة خارجية في الأسعار أكثر قسوة على المواطن. وانتقد البواب عدم لجوء الدولة إلى تخفيف الضرائب كوسيلة لاحتواء موجة الغلاء، وقال: "بدل أن تخفّض الدولة الضرائب لتقليص الأسعار كما فعلت دول أخرى، لم تتخذ هذه الخطوة". وبذلك، يختصر المشهد الاقتصادي الحالي معادلة ضاغطة على اللبنانيين: أسعار تتجه صعودًا، قدرة شرائية تتراجع، وفرص عمل تنكمش، فيما تبقى قدرة الدولة على التدخل لتخفيف الكلفة محورًا أساسيًا في مواجهة المرحلة المقبلة.