يأتي اليوم الوطني السعودي هذا العام في ظرف مختلف. حرب إيران والاضطرابات الواسعة في المنطقة وضعت دول الخليج أمام تحديات اقتصادية وأمنية ولوجستية مباشرة، وأثرت في حركة التجارة والطاقة والاستثمار. والسعودية ليست خارج هذه التداعيات، ولا يمكن لاقتصاد بحجم اقتصادها وموقعها في أسواق الطاقة وفي قلب المنطقة أن يكون بمنأى عنها. وقد انعكست الحرب على صادرات النفط وحركة التجارة والنشاط غير النفطي. صندوق النقد الدولي خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي ولكافة اقتصادات المنطقة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على التعامل مع الصدمة مستفيداً من مرتكزاته المالية القوية وتنوع منافذ تصدير النفط وقدراته اللوجستية. لكن النظر إلى السعودية من زاوية هذه الأزمة وحدها يفوّت جزءاً كبيراً من الصورة. فالدول الكبيرة لا تتحدد قدرتها بما تواجهه في سنة واحدة، وإنما بما راكمته على مدى عقود، وبقدرتها على تعديل أدواتها عندما تتغير الظروف من دون أن تفقد اتجاهها الأساسي. وهذه ربما إحدى أهم دلالات التجربة السعودية في يومها الوطني. لم تكن مسيرة السعودية خلال العقود الماضية خطاً مستقيماً من النمو. مرت المملكة بفترات من الانخفاض الحاد في أسعار النفط، والحروب إقليمية، والإرهاب، والأزمة المالية العالمية، ثم جائحة كورونا، وصولاً إلى الاضطرابات الحالية. وفي كل واحدة من هذه المراحل ظهرت تحديات مختلفة أمام الدولة والاقتصاد. بعضها فرض خفض الإنفاق، وبعضها استدعى إعادة ترتيب السياسات الاقتصادية، وبعضها غيّر الحسابات الأمنية والإقليمية. لكن ما استمر هو القدرة على إعادة التموضع والتعامل مع المتغيرات من دون فقدان الاتجاه الطويل للدولة. وتنبع هذه القدرة من مرتكزات يصعب اختصارها في النفط وحده. هناك دولة متماسكة، ومؤسسات راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وقدرات مالية واستثمارية كبيرة، وعلاقات دولية واسعة، وموقع جغرافي واقتصادي يمنح السعودية أهمية تتجاوز حجم إنتاجها النفطي. كذلك، فإن المملكة لم تعتمد تاريخياً على أداة واحدة في التعامل مع التحولات؛ فهي تعدّل الإنفاق وفق الظروف، وتعيد ترتيب أولويات الاستثمار، وتغيّر أدواتها الاقتصادية، وتتحرك سياسياً وفق التحولات في البيئة الإقليمية والدولية. هذه القدرة لا تمنع الخسائر ولا تلغي كلفة الأزمات، لكنها تقلّل احتمال أن تتحول كل أزمة إلى تغيير كامل في الاتجاه. ولهذا، فإن الأثر الذي تتركه الحرب على الاقتصاد السعودي لا يشكل وحده المعيار الأهم. الأثر موجود بالفعل، لكن الأهم هو مقدار ما تغير داخل السعودية خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة ما تحقق على الصمود أمام صدمة بهذا الحجم. من السهل التعامل مع رؤية 2030 باعتبارها مجموعة أهداف وخطط ومشاريع مرتبطة بتاريخ محدد. لكن ما جرى خلال العقد الماضي تجاوز ذلك. ظهرت قطاعات اقتصادية جديدة، وزاد حضور السياحة والترفيه والخدمات والتقنية والصناعات الجديدة، واتسعت قاعدة الاستثمار المحلي والأجنبي، وأصبح صندوق الاستثمارات العامة لاعباً مركزياً في الاستثمار داخل المملكة وخارجها. وتغيرت أيضاً سوق العمل، وارتفعت مشاركة السعوديين في أنشطة لم تكن تستقطب الأعداد نفسها، كما أصبح القطاع الخاص جزءاً أكبر من مشاريع التنمية والاستثمار. لكن الأهم أن التحول بدأ ينتج مصالح اقتصادية واجتماعية مرتبطة باستمراره. هناك شركات بنت أعمالاً في قطاعات جديدة، ومستثمرون ربطوا رؤوس أموالهم بها، وسعوديون بنوا مساراتهم المهنية فيها. وحين ينتج الإصلاح شركات ووظائف واستثمارات وخبرات ومصالح واسعة، يصبح جزءاً من بنية الاقتصاد والمجتمع. قد يتغير الجدول الزمني لبعض المشاريع، وبعضها قد يعاد ترتيب أولوياته، كما أن الإنفاق العام لا يستطيع أن يستمر بمعزل عن الموارد والظروف الاقتصادية. لكن هذا يختلف كثيراً عن عكس الاتجاه الذي بدأ قبل سنوات. فالتحول الاقتصادي أصبح مرتبطاً بمصالح واستثمارات وتطلعات تدفع باتجاه استمراره. ولهذا قد تتغير سرعة المسار، من دون أن يتغير اتجاهه. المفارقة أن حرب إيران نفسها تعطي مثالاً عملياً على أهمية جزء من الاستثمارات التي قامت بها السعودية خلال عقود. إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز كان سيشكل في ظروف أخرى تهديداً أكبر بكثير لصادرات النفط. وجود خط أنابيب شرق–غرب وميناء ينبع على البحر الأحمر وفر طريقاً بديلاً لنقل ملايين البراميل. وعندما تعرض الخط نفسه لهجمات في سبتمبر، تحركت أرامكو مجدداً لإعادة توزيع الصادرات عبر موانئ الخليج ومسارات أخرى، قبل استئناف تشغيل خط شرق–غرب تدريجياً. وأظهرت هذه التطورات أن البدائل لا تلغي المخاطر، لكنها توفر للدولة خيارات أوسع عندما تتعرض إحدى القنوات للاضطراب. وهذا ربما هو المعنى الأكثر عملية للمرونة الاقتصادية. فالتنويع السعودي لا يتعلق حصراً بتقليل حصة ال