ليس كل عقار معروض للبيع يحمل معه أكثر من أربعة عقود من العمارة والفضول والأساطير. في رأس الخيمة، عاد قصر القاسمي، المعروف محلياً باسم "القصر المسكون" ، إلى الواجهة بعد طرحه للبيع بسعر 22.5 مليون درهم إماراتي من دون الأثاث، أو 23.5 مليون درهم مع مقتنياته وأثاثه الأصلي. القصر المؤلف من أربع طبقات و35 غرفة، يقوم على أرض تبلغ مساحتها نحو 191 ألفاً و742 قدماً مربعة، فيما تصل مساحته المبنية إلى نحو 33 ألفاً و827 قدماً مربعة. وبدأ العقار باستقطاب اهتمام مشترين ومستثمرين من بريطانيا والهند ودول في المنطقة، مع تعدد التصورات حول مستقبله وإمكان توظيفه كمقر خاص أو مشروع سياحي وضيافة. "القصر المسكون": روايات أم خرافات؟ شُيّد القصر عام 1985 على تلة في منطقة الظيت، للشيخ الراحل عبد العزيز بن حميد القاسمي. ولم يكن تصميمه تقليدياً، إذ شارك حرفيون من إيران والمغرب والهند والصين في تنفيذ أجزاء من زخارفه، فاجتمعت داخله الفسيفساء والبلاطات المرسومة والجداريات والمنحوتات، إلى جانب ثريات كريستالية فرنسية وبلجيكية. وتشير تقارير منشورة إلى أن كلفة إنشائه وتجهيزه في حينه تجاوزت 500 مليون درهم، وهو رقم يتداول تاريخياً حول القصر ولا يعكس تقييماً لقيمته العقارية الحالية. لكن المبنى الذي أُنجز ليكون قصراً للسكن لم يتحول فعلياً إلى منزل. بقي غير مأهول لنحو ثلاثة عقود ونصف، وهي عزلة كانت كافية لنسج واحدة من أشهر الحكايات الشعبية في رأس الخيمة حوله. انتشرت روايات عن أضواء تظهر في غرفه ليلاً، وأصوات غريبة، وأشكال خلف النوافذ، حتى التصق به اسم "القصر المسكون". ومع غياب أي دليل يثبت تلك الروايات، بقيت القصص جزءاً من الذاكرة الشعبية المحيطة بالمكان، وأسهمت في زيادة شهرته وغموضه. تغيّرت حياة القصر عام 2019، حين اشتراه رجل الأعمال طارق أحمد الشرهان من ورثة مالكه الأصلي، وخضع لعملية ترميم شملت الجداريات والبلاط والمنحوتات والأثاث والحدائق. وبعد إعادة تأهيله، حمل اسماً جديداً هو "القصر الغامض" وفتح أمام الزوار، الذين بات بإمكانهم التجول بين غرفه واكتشاف تفاصيله الفنية والمعمارية بعيداً عن القصص التي لاحقته لسنوات. اللافت أن العقار سبق أن طرح في السوق عام 2025 بنحو 25 مليون درهم، قبل أن يعود اليوم بسعر أدنى. إلا أن قيمته بالنسبة إلى المشترين المحتملين لا ترتبط بالبناء وحده، بل أيضاً بما يحمله من شهرة وقصة وهوية بصرية ومعمارية مختلفة. كما أن إمكان تحويل القصر إلى مشروع ضيافة أو وجهة للفعاليات أو مقصد سياحي يمنحه بعداً استثمارياً يتجاوز فكرة السكن الخاص، خصوصاً في ظل النمو الذي تشهده رأس الخيمة على مستوى المشاريع السياحية والعقارية. وهنا تكمن المفارقة الأبرز في حكايته: المكان الذي صنعت عزلته أسطورته، أصبحت الأسطورة نفسها اليوم جزءاً من قيمته التسويقية. ويبقى السؤال: هل يحتفظ المالك المقبل بهذه الهوية، أم يكتب للقصر حياة مختلفة تماماً؟ فقد يكون الفصل المقبل من حكايته، بعد أربعة عقود من الغموض، هو الأكثر إثارة حتى الآن.