لم تعد تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان تقتصر على كلفة النقل، إذ انتقلت إلى أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية واشتراكات المولدات، فيما تتزايد المخاوف من شتاء أكثر كلفة مع ارتفاع سعر المازوت المستخدم في التدفئة. وفي المخيمات الفلسطينية، حيث تواجه العائلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية وانحسار المساعدات، انعكست زيادة كلفة نقل البضائع وتشغيل المولدات وتأمين الخدمات على تفاصيل الحياة اليومية، ودفعت السكان إلى تقليص مشترياتهم والبحث عن أصناف أقل سعراً، فيما ازداد اعتماد بعضهم على الشراء بالدين. موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين رصد آثار الغلاء في مخيمات نهر البارد والجليل والرشيدية وبرج البراجنة وعين الحلوة، من خلال شهادات سكان وناشطين وأصحاب محال تجارية، تحدثوا عن زيادات تراوحت بين 7.5 و25% في أسعار أصناف وخدمات مختلفة، وعن تضاعف كلفة نقل البضائع في بعض الحالات. قال الناشط محمد أبو قاسم، من مخيم نهر البارد شمالي لبنان، إن أسعار المواد التموينية والأولية واشتراكات المولدات ارتفعت بنسب تقارب 20 إلى 25%، نتيجة اعتماد مختلف القطاعات على المحروقات في النقل والتشغيل. وأوضح أبو قاسم أن الزيادة باتت واضحة بالنسبة إلى سكان المخيم، وانعكست بصورة خاصة على العمال والعائلات الفقيرة، في ظل معدلات بطالة قال إنها تتجاوز 80%. وأضاف أن العائلات الفلسطينية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإغاثية، ولا سيما مساعدات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، ومنها المساعدة البالغة 50 دولاراً، التي كانت تسهم في شراء المؤونة والمواد الغذائية وتسديد اشتراكات المولدات وتغطية جزء من مصاريف الأسرة. وأشار إلى أن توقف المساعدات زاد الأعباء، فيما لم تعد يومية العامل، التي تتراوح بين 10 و15 دولاراً، كافية لتأمين احتياجات عائلته، ما يدفع بعض أرباب الأسر إلى العمل في أكثر من وظيفة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المنزل. ورأى أبو قاسم أن تراجع المساعدات والتقليصات، إلى جانب الإجراءات الأمنية والعسكرية التي تطال المخيم، فاقمت الضغوط المعيشية على الأهالي. ووصف الواقع داخل المخيمات بأنه حالة من الحرمان، معتبراً أن الفلسطينيين باتوا يواجهون ظروفهم منفردين لتأمين قوت أبنائهم، في ظل غياب فرص العمل، ولا سيما للشباب. وحمّل "أونروا" والفصائل الفلسطينية مسؤولية أساسية عن هذا الواقع، معتبراً أن سكان المخيم تُركوا لمواجهة مصيرهم في غياب مقومات الحياة والصمود. مخيم الجليل يخشى كلفة التدفئة وفي مخيم الجليل بمدينة بعلبك، تتجه المخاوف إلى فصل الشتاء، إذ تعتمد عائلات كثيرة على المازوت لتدفئة المنازل في منطقة تُعرف ببرودتها وانخفاض درجات الحرارة فيها. وقال عبد الله أبو صباح إن ارتفاع أسعار المحروقات يثير قلق السكان من زيادة جديدة في سعر مازوت التدفئة، بالتزامن مع غياب المساعدات وارتفاع أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية. وأوضح أن اقتراب الشتاء يضع الأسر أمام نفقات إضافية لا تقتصر على الطعام والخدمات اليومية، بل تشمل تأمين وسائل التدفئة، في وقت تتراجع فيه قدرتها على تغطية أبسط احتياجاتها. "الأسعار تفوق قدرتنا على الاحتمال" ومن مخيم الرشيدية في مدينة صور جنوبي لبنان، قالت سميرة أحمد إن أسعار السلع في المحال التجارية أصبحت، وفق وصفها، "جنونية"، وباتت تفوق قدرة كثير من العائلات على الاحتمال. وأضافت أن السكان يحاولون ترشيد الإنفاق وتقليص المصروف، إلا أن ذلك لم يعد كافياً في ظل الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة. وأوضحت أن ابنها عاطل عن العمل، فيما تتحمل الأسرة إيجار المنزل وفواتير اشتراكات المولدات، مشيرة إلى أن قيمة اشتراكها بلغت 120 دولاراً ولم تتمكن من تسديدها حتى الآن. وتساءلت عن المصير الذي ينتظر العائلات في ظل غياب المساعدات، داعية "أونروا" إلى التحرك والالتفات إلى أوضاع اللاجئين المعيشية. وقالت: "لم نعد قادرين على الاحتمال، وعلى الوكالة أن تتحرك وتنظر في أوضاعنا"، مضيفة أن الأسعار في لبنان أصبحت، بحسب تعبيرها، "أغلى من سويسرا." تضاعف كلفة نقل البضائع إلى برج البراجنة ومن داخل المحال التجارية، تظهر آثار غلاء المحروقات في أسعار الجملة وكلفة نقل البضائع إلى المخيمات. وقال حسن طافش، صاحب متجر في مخيم برج البراجنة بمدينة بيروت، إن الزيادة طالت مختلف السلع، ولا يتحمل أصحاب المحال مسؤوليتها وحدهم، بل ترتبط أساساً بارتفاع أسعار الوقود والنقل والجملة والمستوردات. وأوضح أن الخضار والبيض والدجاج والحليب واللبنة كانت من أكثر السلع تأثراً، بسبب حاجتها إلى النقل والتوريد بصورة مستمرة. وبحسب طافش، ارتفع سعر كيلوغرام البندورة من 60 ألف ليرة لبنانية إلى 90 ألفاً، وسعر طبق البيض من 300 ألف إلى 420 ألف ليرة، فيما زادت أسعار المنظفات والشامبو المستورد بنحو 15%.