رغم المبادرة الأوروبية الرامية إلى تشكيل قوة دولية بديلة، بقيت المساعي عاجزة عن انتزاع موافقة أميركية على تمديد مهمة اليونيفيل أو إنشاء صيغة بديلة، في وقت تواصل إسرائيل استثمار الفراغ الأمني لتكريس احتلالها في الجنوب وفرض وقائع ميدانية جديدة. ويبدو أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز مجرد غياب الرقابة الدولية، إلى تثبيت منطقة عازلة خالية من سكانها، وتحويل الجنوب إلى مساحة خاضعة للضغط العسكري والنار والغارات، بما يمنح الاحتلال أوراقاً إضافية في أي مسار تفاوضي مقبل. وفي المقابل، تواصل الدولة اللبنانية تحركاتها السياسية والدبلوماسية في محاولة لاحتواء التداعيات وتعزيز موقعها التفاوضي، فيما تواجه شروطاً إسرائيلية قاسية مدعومة أميركياً، وفي مقدمتها فرض ترتيبات أمنية تخدم أهداف الاحتلال ومحاولة انتزاع أوراق القوة اللبنانية. وبينما تكرر الحكومة مواقفها بشأن حصرية قرار الدولة والسلاح، لم تقدّم واشنطن للبنان ما يسمح بإحداث توازن فعلي، لا سيما عبر الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف اعتداءاتها. ولا تزال المساعدات الدولية للبنان مرتبطة، وفق الطروحات المتداولة، بشروط سياسية وأمنية تتصل بسلاح حزب الله، في وقت تواصل إسرائيل تثبيت مواقعها على ما يسمى "الخط الأصفر" وتهدد بتوسيع نطاق سيطرتها باتجاه النبطية وصور. وفي ظل اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل وما يرافق ذلك من مخاطر تراجع المظلة الدولية، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة شديدة الحساسية، بينما يحاول الاحتلال فرض ترتيبات ميدانية جديدة بقوة النار، مستفيداً من الدعم الأميركي. وخلال الأشهر المقبلة، قد يواجه لبنان ضغوطاً متزايدة في الجنوب، خصوصاً مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولات تفريغ المناطق الحدودية من سكانها. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي عن الغطاء السياسي والعسكري الأميركي، ولا عن المساعي الرامية إلى الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها نحو مواجهة داخلية مع حزب الله، بما يخدم في نهاية المطاف الهدف الإسرائيلي بإضعاف عناصر القوة اللبنانية وفرض شروط جديدة على البلاد. أما المقاومة، فتتعامل مع هذا الواقع انطلاقاً من استمرار الاحتلال ورفض تحويل الاعتداءات الإسرائيلية إلى أمر واقع دائم. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن "حصر السلاح" لا يمكن فصله عن حقيقة استمرار الاحتلال وغياب الضمانات الدولية لوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية. كما أن تثبيت إسرائيل مواقعها وتهديدها بالتوسع جنوباً يطرح سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تتحمل مسؤولية تعقيد المشهد وإفشال أي تسوية قابلة للحياة. وفي ظل استمرار الغارات والتوغلات ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي والميداني في الجنوب، تصبح أولوية تثبيت الأرض وحماية السكان ووقف العدوان جزءاً أساسياً من أي مقاربة لبنانية. فالمشكلة لا تكمن في تمسّك المقاومة بعناصر قوتها في مواجهة الاحتلال، بقدر ما تكمن في استمرار الاحتلال نفسه وغياب أي ضغط دولي فعلي لإجباره على الانسحاب ووقف اعتداءاته. والأخطر أن تتحول الضغوط الدولية إلى أداة لانتزاع أوراق القوة من لبنان، فيما يبقى الاحتلال خارج دائرة المحاسبة. لذلك، فإن أي مقاربة جدية للمرحلة المقبلة يفترض أن تبدأ من إنهاء الاحتلال والعدوان وضمان عودة الأهالي إلى قراهم، قبل فرض شروط أمنية أحادية الجانب على لبنان أو تحويل ملف سلاح المقاومة إلى مدخل لإعادة رسم موازين القوى لمصلحة إسرائيل.