هناك أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تضع القارئ فجأة أمام سؤالٍ عميق. "لو كان بإمكانك أن تعيش داخل كتاب، أيّ كتاب تختار؟" كان أحد هذه الأسئلة حين طُرح على أوبرا وينفري. توقَفَت قليلاً قبل أن تجيب. ثم اختارت رواية "White Oleander" للكاتبة جانيت فيتش، موضحة أن عالمَها، على قسوتِه، غيّرَ الطريقة التي تنظر بها إلى العالم وإلى الجمال. سؤال بسيط طُرح على أوبرا وينفري فتح باباً على فكرة أوسع: أي كتاب نختار لو كان بإمكاننا أن نعيش داخله؟. (People) اختيارها لافت. فالرواية لا تقدّم حياة مثالية يمكن الهروب إليها. بطلتها أستريد تنتقل بين سلسلة من بيوت الرعاية بعد دخول والدتها السجن، وتخوض رحلة طويلة للعثور على ذاتها ومكانها في العالم. صدرت الرواية عام 1999 واختيرت في العام نفسه ضمن نادي أوبرا للكتاب. ربما لهذا السبب يصبح السؤال أكثر إثارة: هل نختار الكتاب الذي يمنحنا الحياة التي نريدها، أم ذلك الذي يمنحنا طريقة أخرى لرؤية الحياة التي نملكها؟ ليست كل العوالم التي نريدها مثالية قد يختار قارئ "نساء صغيرات" لأنه يريد بيتاً مثل بيت آل مارش: مكاناً بسيطاً، مزدحماً بالأخوات والكتب والأحاديث، حيث يبدو الانتماء أهم من الثراء. وقد يختار آخر "آن في المرتفعات الخضراء" ليعيش في عالم الطبيعة والخيال، حيث تستطيع طفلة أن تمنح الأشجار والطرق أسماء جديدة لمجرد أنها تراها بطريقة مختلفة. أما من يختار "هاري بوتر"، فربما لا يبحث فقط عن السحر. هو يريد رسالة تصل إليه ذات يوم وتخبره أن العالم أكبر مما كان يظن، وأن هناك مكاناً ينتمي إليه ولم يكن يعرف بوجوده. وفي "فخر وتحامل"، قد تكون الجاذبية في الريف الإنكليزي والبيوت القديمة والرسائل والحوارات الطويلة: حياة أبطأ، حتى لو كانت محكومة بقواعد اجتماعية لا تبدو اليوم رومانسية بالضرورة. ليس كل عالم أدبي مكاناً صالحاً للإقامة الطويلة.قد نرغب في زيارة ماكوندو في "مئة عام من العزلة" لـغابرييل غارسيا ماركيز، أن نشاهد ذلك المكان الذي تمتزج فيه المعجزة بالحياة اليومية، لكن هل نريد فعلاً أن نبقى هناك؟ وفي الأدب العربي، من السهل تخيّل قارئ يريد أن يمشي في قاهرة نجيب محفوظ: بين الحارات والمقاهي والبيوت والعائلات في "الثلاثية"، لا بحثاً عن مدينة مثالية، بل عن مدينة تبدو حية إلى درجة يستطيع القارئ سماع أصواتها وشمّ رائحتها تقريباً. هنا يصبح المكان في الرواية أكثر من خلفية. يتحول إلى شخصية ثانية، وأحياناً إلى السبب الذي يجعلنا نغلق الكتاب ونشعر أننا غادرنا مكاناً كنا نعرفه فعلاً. ومن الكتب التي تجعل القارئ يتخيّل نفسه داخل عالمها، تأتي رواية "قواعد العشق الأربعون" لإليف شفق، التي تتحرك بين زمنين متوازيين: الحاضر، والقرن الثالث عشر، حيث عالم جلال الدين الرومي وشمس التبريزي. عالمٌ لا يجذب القارئ بمكانه فحسب، بل بما يفتحه من أسئلة عن الحب والتصوف والمعنى والتحوّل الداخلي. قواعد العشق الأربعون لإليف شفق أما "الخيميائي" لباولو كويلو، فيأخذ القارئ إلى عالم مختلف تماماً: رحلة تمتد من الأندلس إلى الصحراء، برفقة الراعي سانتياغو في بحثه عن كنزه الشخصي. وربما تكمن جاذبية العيش داخل هذا الكتاب في فكرة الرحلة نفسها: أن تمضي خلف حلم لا تعرف أين سيقودك، وأن تتعلّم قراءة الإشارات والطبيعة والطريق وأنت تتقدّم. وفي "آنا كارنينا" لليو تولستوي، قد لا تكون الرغبة في دخول الكتاب بحثاً عن حياة مثالية، بل عن عالم مثير للاهتمام: قصور ومحطات قطار، حفلات ومجالس أرستقراطية، حبّ يصطدم بالقواعد الاجتماعية، وشخصيات تعيش صراعاتها بين الرغبة والواجب. جاذبية الرواية ليست في أن نكون مكان آنا بالضرورة، بل في الاقتراب من ذلك العالم الروسي الذي بناه تولستوي بتفاصيله الدقيقة، حيث تبدو المشاعر أكثر حدّة، والاختيارات أثقل، والحياة نفسها أكثر درامية. لكن ماذا عن الكتب التي لا تبني عالماً روائياً أصلاً؟ أحياناً لا يكون الكتاب مكاناً نريد السكن فيه، بل مساحة نرغب في الدخول إليها لنقترب من تجربة شخص آخر. هذا ما تفعله، مثلاً، الكتب القائمة على الرسائل والذكريات. وفي كتابه الجديد "الرسائل"، الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في أيلول 2026 بوصفه الجزء الثاني من "علمتني الحياة"، تتحول صفحات الكتاب إلى مجموعة رسائل تحمل خلاصات من التجربة والعمل والحياة. هنا لا يتخيّل القارئ نفسه بطلاً داخل رواية، بل كأنه يجلس في الجهة المقابلة ويتلقى الرسالة بنفسه. كتاب الرسائل للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (وكالة أنباء الإمارات) وربما لهذا تتعدد الطرق التي "نسكن" بها الكتب: هناك كتاب نريد أن نعيش في مدينته، وآخر نريد أن نصادق شخصياته، وثالث يكفينا أن نجلس إلى صاحبه لساعات ونسمعه يحكي. في "طيور أيلول" لإميلي نصرالله، قد تكون الرغبة في الدخول إلى الكتاب رغبةً في العودة إ