تدخل سوق التمويل الاستهلاكي في مصر مرحلة جديدة من الضبط الرقابي، بعدما أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية تعميماً يحظر على شركات القطاع تمويل سبائك ومشغولات الذهب والفضة والبلاتين، بالتزامن مع نمو سريع في حجم النشاط وأعداد العملاء. ويأتي القرار من ضمن توجه أوسع للهيئة نحو تعزيز الشفافية والحوكمة وضبط استخدام التمويل وتطوير إدارة المخاطر، بما يدعم سلامة شركات القطاع ويوفر حماية أفضل للعملاء. مقر الهيئة العامة للرقابة المالية (الموقع الرسمي) وأصدرت الهيئة تعميمين موجهين إلى شركات التمويل الاستهلاكي، حظر الأول التعامل في سبائك ومشغولات الذهب، وكذلك السبائك والمشغولات المصنوعة من معادن ثمينة أخرى، مثل الفضة والبلاتين، باعتبارها أدوات استثمارية لا سلعاً أو خدمات استهلاكية يجوز تمويلها وفق قانون التمويل الاستهلاكي. وألزم التعميم الثاني الشركات بتقديم بيانات ربع سنوية إلى الهيئة عن معدلات الفائدة والمصروفات الإدارية على التمويلات التي تحصل عليها من المصارف، إلى جانب متوسط العائد والمصروفات الإدارية المحسوبة على التمويلات المقدمة إلى العملاء، بدءاً من بيانات عام 2025. نمو متسارع يفرض تشديد الرقابة وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشهد فيه سوق التمويل الاستهلاكي نمواً لافتاً، إذ بلغ مجموع التمويلات الممنوحة خلال الفصلينالأول والثاني من عام 2026 نحو 66.8 مليار جنيه (1.29 مليار دولار). أما أعداد العملاء، فمن الأدق عرضها لكل ربع بصورة مستقلة، تجنباً لاحتمال احتساب العميل نفسه في الفترتين. وخلال الفصل الأول، ارتفع عدد العملاء إلى 3.78 مليون، في مقابل 2.32 مليون في الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة 62.8%، فيما صعدت قيمة التمويلات إلى 29.6 مليار جنيه، مقابل 17.5 ملياراً، بنمو 69.3%. وفي الفصل الثاني، ارتفع عدد العملاء إلى 4.17 مليون، في مقابل نحو 2.49 مليون، بزيادة 67.1%، وبلغت قيمة التمويلات 37.2 مليار جنيه، في مقابل 20.7 مليار، بنمو 79.8%. ومع هذا التوسع السريع، تزداد أهمية تقييم الجدارة الائتمانية وضبط استخدامات التمويل، ولاسيما منع تحوله إلى وسيلة غير مباشرة لتمويل شراء أصول استثمارية قابلة لإعادة البيع سريعاً والحصول في مقابلها على سيولة نقدية. وتفسيراً لأهمية الرقابة، تقول الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، في تصريحات خاصة، "إن التوسع السريع في التمويل يستدعي تشديد إدارة مخاطر التعثر، لأن الديون المتأخرة قد تتحول إلى ديون مشكوك في تحصيلها أو معدومة، بما يضغط على الشركات الممولة، ولاسيما منها الأصغر حجماً". وحول النتائج المتوقعة، تقول رمسيس "إن القرار قد يقلص، في الأجل القريب، المبيعات الممولة لدى بعض تجار الذهب والمعادن الثمينة، غير أن غياب بيانات منشورة عن حصة هذه المشتريات من إجمالي التمويل الاستهلاكي يجعل من المبكر تقدير حجم التأثير في سوق الذهب ككل". ولا يقتصر هذا التشدد التنظيمي على استبعاد الذهب، بل يأتي ضمن حزمة أوسع من الإجراءات التي تستهدف إحكام الرقابة على سوق التمويل الاستهلاكي وإدارة مخاطره، إذ يتزامن القرار مع إصدار الهيئة أول دليل شامل للقواعد والضوابط المنظمة لشركات التمويل الاستهلاكي، ليجمع في مرجع واحد متطلبات التأسيس والترخيص والحوكمة والملاءة المالية والإفصاح وحماية العملاء ومكافحة غسل الأموال، إلى جانب قواعد تقييم الجدارة الائتمانية وإدارة المخاطر والأمن السيبراني. وحول النتائج المتوقعة من قرار استبعاد الذهب والمعادن الثمينة، تقول رمسيس "إن القرار قد ينعكس في الأجل القريب في صورة تباطؤ أو ركود مؤقت في حركة بعض تجار الذهب والمعادن الثمينة، ولاسيما مع اعتماد شريحة من العملاء على التمويل الاستهلاكي في شراء هذه الأصول". لكن هذا الأثر المحتمل يأتي، بحسب رمسيس، "في مقابل الحد من تكوين مديونيات مرتبطة بأصول استثمارية متقلبة الأسعار، وتقليل احتمالات استخدام التمويل الاستهلاكي للحصول على سيولة نقدية في صورة غير مباشرة، بما يحمي العملاء وشركات التمويل من مخاطر إضافية".