اختار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أزمة سبتة ليبعث من منصة الأمم المتحدة برسالة تتجاوز حدود إسبانيا. ففي وقت تمضي دول أوروبية عدة نحو تشديد سياسات الهجرة وتسريع عمليات الإعادة، قدّم سانشيز بلاده نموذجاً مختلفاً يقوم على ضبط الحدود من دون تحويل المهاجر إلى عدو، وعلى التمسك بحقوق الإنسان في إدارة الأزمات. وجاء ذلك في خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك، الذي وصفته صحيفة "إل باييس" بأنه الأكثر حدة في مواجهة النهج الذي يمثله الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما دعا القوى التقدمية إلى مواجهة صعود اليمين المتطرف والدفاع عن مقاربة مختلفة للأزمات التي تواجه أوروبا. وبعد ثمانية أعوام في قصر "لا مونكلوا"، بدا الخطاب أكثر سياسية من كلمات سانشيز السابقة أمام الأمم المتحدة. ووفق "إل باييس"، تأتي الزيارة الأخيرة له إلى نيويورك قبل الانتخابات الإسبانية، ما أضفى على الكلمة طابعاً قريباً من رسم حصيلة سياسية والدفاع عن النموذج الذي يريد أن تُعرف به حكومته. وضع سانشيز أزمة سبتة في قلب هذا النموذج. وكانت المدينة قد شهدت منذ نهاية تموز/يوليو واحدة من أكبر موجات العبور غير النظامي في السنوات الأخيرة، مع دخول أكثر من 72 ألف شخص من المغرب، قبل أن يغادر معظمهم لاحقاً. وأعادت الأزمة ملف الهجرة سريعاً إلى واجهة الجدل الأوروبي، وسط تحذيرات من انعكاس صور الفوضى الحدودية على صعود القوى المناهضة للهجرة. وقال سانشيز: "في سبتة، غذّت اللامساواة واليأس والمعلومات المضللة واحدة من أكبر أزمات الهجرة غير النظامية في السنوات الأخيرة. أعلم أنه في مثل هذه اللحظات يكون الإغراء هو اختيار الطريق المختصر: الاستسلام للخوف، وتحويل المهاجر إلى عدو، وانتهاك القانون". وأضاف أن إسبانيا وسبتة لن تسلكا هذا الطريق، معتبراً أن المدينة تستطيع تجاوز الأزمة "مع الحفاظ على القانون واحترام حقوق الإنسان"، وأنها ستخرج منها أقوى. ولا تعني هذه المقاربة، في رؤية الحكومة الإسبانية، التخلي عن ضبط الحدود أو عمليات الإعادة. ففي ذروة أزمة سبتة، أعلن سانشيز أن أولويات حكومته شملت تعزيز أمن الحدود وتسريع إعادة من لا يملكون حق البقاء في إسبانيا، إلى جانب حماية الأرواح واحترام الالتزامات القانونية. مهاجرون من المغرب بعد عبورهم إلى سبتة في إسبانيا، 31 تموز/يوليو 2026. (رويترز) وتبرز دلالة كلام سانشيز عند وضعه في السياق الأوروبي. فمنذ 12 حزيران/يونيو 2026، دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيّز التطبيق، مع إجراءات أكثر سرعة لتسجيل الوافدين غير النظاميين والبت في طلبات اللجوء وتنفيذ عمليات الإعادة. وفي أيلول، ذهبت خمس دول أوروبية أبعد من ذلك. فقد اتفقت ألمانيا والنمسا واليونان والدنمارك وهولندا على خطوات عملية لإنشاء ما يعرف بـ"مراكز العودة" خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف نقل مهاجرين لا يملكون حق الإقامة إلى دول ثالثة. وتسعى المجموعة إلى إبرام اتفاقات مع دول شريكة تمهيداً لبدء العمل بالنموذج في 2027. أما إسبانيا، فاختارت إلى جانب ضبط الحدود مساراً أوسع لتسوية أوضاع المهاجرين الموجودين على أراضيها. وأطلقت الحكومة في نيسان/أبريل عملية تسوية استثنائية استقبلت أكثر من 1.17 مليون طلب حتى نهاية حزيران، وقدمتها باعتبارها جزءاً من سياسة تقوم على الاندماج والحقوق والواجبات. ولا يجعل ذلك سانشيز الصوت الأوروبي الوحيد في الدفاع عن حقوق المهاجرين، لكنه يضعه في موقع مختلف عن عدد متزايد من الحكومات التي تدفع نحو التركيز على الردع والإعادة وإخراج معالجة بعض ملفات الهجرة إلى خارج الاتحاد. ومن هنا، لم تكن استعادة أزمة سبتة أمام الجمعية العامة مجرد إشارة إلى مشكلة إسبانية. فقد استخدمها سانشيز للدفاع عن فكرة سياسية أوسع، مفادها أن السيطرة على الحدود لا تستلزم تبني الخطاب الذي يربط الهجرة بالخوف أو يجعل المهاجر نفسه مصدر التهديد. وربط سانشيز ملف الهجرة برؤيته الأوسع للصراع السياسي داخل أوروبا وأميركا. وقال إن "إسبانيا لا تختار الطريق الأسهل، بل تختار الطريق الأكثر عدلاً"، متهماً قوى وصفها بـ"الرجعية" بمحاولة إضعاف النظام متعدد الأطراف. وأضاف: "يريدون منا أن نخاف، يريدون منا أن نستسلم"، مؤكداً أن بلاده لن تتراجع عن الدفاع عن التعاون الدولي وأهداف التنمية المستدامة. ولم يذكر ترامب بالاسم، إلا أن "إل باييس" رأت أن أجزاء واسعة من الخطاب كانت موجهة بوضوح إلى النهج الذي يمثله الرئيس الأميركي. وقال سانشيز في بداية كلمته إنه جاء للدفاع عن المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة في مواجهة حكومات "تسعى إلى تفكيكها". لكن سبتة بقيت المثال الأكثر مباشرة على الفارق الذي أراد سانشيز إبرازه. ففي اللحظة التي تتحول فيها الهجرة مجدداً إلى أحد أكثر الملفات حساسية انتخابياً في القارة، اختار رئيس الحكومة الإسبانية أن يقول من منصة