يصعب التعامل مع ما يجري بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" على أنه مجرد سوء تعبير عابر، بعد المواقف الأخيرة التي أطلقها رئيس التيار النائب جبران باسيل، التي تجاوزت حدود العتب السياسي. فباسيل وصف واقع الحزب بأنه بات "مكحكحًا" و"ضعيفًا" و"مفلسًا". ما قيل، وما لم يُقل أيضًا، يرسم صورة لعلاقة لم تدخل بعد مرحلة التعافي، بل لشرخ يبدو أنه يتسع، فيما تتسع معه الأسئلة حول ما يمكن ترميمه، وما لم يعد قابلًا للترميم، والأهم: ما شروط العلاقة الجديدة بين الطرفين؟ وما إذا كان الطرفان قادرين أصلًا على إنتاج علاقة جديدة، تختلف في شروطها وأهدافها عن تلك التي عرفها لبنان لسنوات. فحزب الله خرج من الحرب الأخيرة بواقع سياسي وميداني مختلف، فيما تغيّر "التيار الوطني الحر" نفسه، وتبدلت حساباته وموقعه السياسي. فباسيل لم يكتفِ بانتقاد أداء الحزب أو تحميله مسؤولية الدخول في الحرب، بل شكك أيضًا بفاعلية السلاح في حماية لبنان، ودعا إلى البحث عن استراتيجية دفاعية وطنية. وهي مواقف تتصل مباشرة بأحد أبرز العناوين التي قامت عليها الشراكة السياسية بين التيار والحزب. وفي المقابل، لا تبدو الصورة متجهة نحو القطيعة. فقنوات التواصل لا تزال مفتوحة. ثمة لقاءات بين الجانبين، ويعول عليها في المرحلة المقبلة، فيما يحاول كل منهما التعامل مع واقع سياسي جديد فرضته الحرب والتحولات التي تلتها. يعتبر مصدر مسؤول في "التيار الوطني الحر" أن اختزال كلام باسيل بعبارتين، وتجاهل مجمل مواقفه، "مشكلة بحد ذاتها"، خصوصًا أن رئيس التيار تحدث أيضًا عن "المناضلين والشرفاء"، ولم يتم التوقف عند هذا التعبير. ويرى في حديث مع "المدن" أن باسيل كان "يصف حالة" لبيئة معينة خرجت منكوبة من الحرب، ويضع ذلك في سياق اجتماعي وإنساني أوسع. لكن بعيدًا عن الجدل حول العبارات، فإن ما هو أبعد من الكلام يكشف تحولًا فعليًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين. فالمسؤول في التيار يصف المرحلة الحالية بأنها "طور جديد"، ويقرّ بأن العلاقة بصيغتها القديمة "انتهت"، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن انتهاء الصيغة القديمة لا يعني تحول التيار والحزب إلى خصمين أو قطع قنوات التواصل "الطلاق لا يعني الخصومة والاقتتال"، ويشير إلى أن التواصل لا يزال قائمًا وهناك زيارات متبادلة بينهما. ولا يبدو أن باسيل، رغم رفعه سقف الخطاب، يتجه إلى القطيعة السياسية الكاملة مع الحزب. فالمسؤول يؤكد أن العلاقة الجديدة لا تقوم على شروط مسبقة، بل على "الاحترام، مع احترام هوية الرأي عند كل طرف". وفي المقابل، لا يخفي أن التيار لم يعد يتبنى موقف التسليم بسلاح حزب الله، وأنه متمسك بطرح الذهاب نحو "استراتيجية دفاعية وطنية". وهذا التبدل هو في صلب الخلاف. فالتيار لا يقول إنه يريد نزع السلاح بالقوة أو تسليم قرار الدفاع عن لبنان إلى الخارج، بل يطرح إعادة تنظيم هذا القرار ضمن صيغة وطنية جامعة. ويقول المسؤول إن التيار يؤكد أن "المقاومة حق للشعوب"، لكنه يميز بين هذا المبدأ وقرار الدفاع عن لبنان، الذي لا يمكن، وفق رؤيته، أن يكون قرارًا منفردًا من حزب الله ومن دون تنسيق وطني. ويقول المسؤول إن التيار يجد نفسه في موقع يتعرض فيه للانتقاد من الطرفين: فعندما يعلن رفضه استمرار الوضع القائم بالنسبة إلى سلاح حزب الله والدعوة إلى استراتيجية دفاعية، يُتهم بأنه يعادي الحزب، وعندما يتحدث عن المقاومة، يُتهم بأنه يوفر غطاءً له. ويضيف أن موقف التيار من الحرب ومسار "حرب الإسناد" لا يقوم على هذه الحسابات، معتبرًا أن الحزب اتخذ قراراته في هذا المسار، فيما يرى التيار أن استمرار أي دور لحزب الله لا يمكن أن يكون بلا "أفق وطني". وفي هذا الإطار، يلفت المسؤول إلى أن التيار يؤكد في الوقت نفسه أن "المقاومة حق للشعوب"، لكنه يميز بين هذا المبدأ وقرار الدفاع عن لبنان، الذي يقول إنه لا يمكن أن يكون قرارًا منفردًا من حزب الله ومن دون تنسيق وطني. ويعتبر أن المطلوب هو إيجاد صيغة "تصحح هذا الأمر" من خلال استراتيجية دفاعية جامعة. أما على المستوى الدولي، فيقول المسؤول إن التيار لا يتعامل مع علاقته بحزب الله انطلاقًا من حسابات الخسارة أو المكسب الدولي، ولا يتخذ مواقفه بناءً على احتمالات التمويل أو الدعم الخارجي. ويشير إلى أن العقوبات المفروضة على التيار، بحسب تعبيره، لا تتغير إلا إذا تغيرت المعادلة الدولية، مضيفًا أن التيار يتصرف وفق قناعاته، وليس وفق ما يمكن أن يترتب على مواقفه من مكاسب أو خسائر خارجية. وبالانتقال إلى معارضة "التيار الوطني الحر" للحكومة، يتحدث المسؤول عن مسارات ثلاثة، عبرت مؤخراً عن موقع التيار في ظل التطورات والأحداث السياسية في البلد. فكلام باسيل الأخير لا ينفصل عن الموقف الذي عبّر عنه التيار خلال جلسة مناقشة الحكومة، ولا سيما السؤال الذي وُجه إليها حول اتفاق الإطار، الذي تضمن اعتر